يستحيل عدم ملاحظة اتجاهين متزامنين في شركات  الأعمال اليوم؛ الاتجاه الأول هو بروز فكرة أن تحفيز الموظفين يحتاج إلى توضيح "الغرض"" الذي تسعى الشركة إلى تحقيقه؛  والثاني هو الزيادة الفلكية في مكافآت الرؤساء التنفيذيين وكبار المدراء.

لكن هل يمكن للقادة أن يتحدثوا عن "غرض" شركة يحقق مدراؤها ثروة طائلة ويعاني موظفوها أو أصحاب المصلحة الآخرون بها من معاملة سيئة؟

لنبدأ بتعريف ما يعنيه غرض الشركة.

معظم النصوص التي تحدد اتجاه الشركة – مثل الرسالة والرؤية  والقيم – تضع الشركة في صلب اهتمامها. توضح الرسالة (القطاع التجاري الذي نعمل فيه؟)، وتبين الرؤية (أين نرى أنفسنا في غضون بضع سنوات؟)، بينما تظهر القيم (ما الذي ندافع عنه؟)، وكل ما يتعلق بالشركة والعاملين فيها.

إلا أن وصف غرض الشركة يقع في الجانب الآخر، لأنه ينظر إليها من الخارج لمعرفة ما هو الفرق الذي تحدثه هذه المؤسسة التجارية في حياة الناس.

من المعتاد أن يركز غرض الشركة على العملاء. وكمثال على ذلك، لنلق نظرة على الغرض الذي اختارته "مجموعة التأمين الأسترالية" (IAG Group)، وهو "نجعل عالمك أكثر أماناً". (مجموعة التأمين الأسترالية: هي الشركة الأم لمجموعة تأمين عامة لها أعمال في أستراليا ونيوزيلندا وتايلاند وفيتنام وإندونيسيا).

إن الهدف من النص الذي يختصر غرض الشركة هو إضافة بعد آخر إلى المؤسسة، وتغيير صورتها من نظام يقتصر على إجراء معاملات تجارية مع العملاء إلى التركيز على بناء علاقة معهم. إنه يضفي طابعاً شخصياً على المنتجات والخدمات المقدمة. ومن هنا يمكن أن نرى لماذا يمكن لهذا أن يؤدي في بعض الشركات والمؤسسات إلى شحذ همة الموظفين وانخراطهم بحماسة في العمل.

إلا أنني أقترح توافر بعض الشروط المسبقة، لتجنب أن ينظر الموظفون إلى غرض الشركة على أنه دعابة ساخرة. وتتمثل أهم هذه الشروط في معالجة مسألة المكافآت والعلاوات المبالغ فيها التي يحصل عليها الرئيس التنفيذي وكبار المدراء التنفيذيين والتعامل بإنصاف مع الموظفين وغيرهم من  المعنيين.

يمكننا أن نأخذ على سبيل المثال الإعلان عن أن الرئيس التنفيذي لشركة دومينوز بيتزا (Domino’s Pizza) الأسترالية أصبح الرئيس التنفيذي الأعلى أجراً في البلاد، إذ حصل على حزمة هائلة بلغت 36,84 مليون دولار أسترالي في العام 2017. لقد شمل ذلك الراتب الأساسي البالغ 4,7 مليون دولار أسترالي وأرباحاً من بيع الأسهم المكتسبة كجزء من خطة الحوافز. يحدث هذا في الشركة ذاتها التي تورط فيها بعض أصحاب امتيازها التجاري بشكل منهجي في قضايا دفع أجور متدنية جداً للموظفين ذوي الأوضاع الهشة وفرض رسوم لقاء توفير تأشيرات العمل لهم من أجل تحقيق أهدافهم المالية. واتُهم المكتب الرئيس للشركة بغض الطرف عن المشكلة.

وفي حين تشرح دومينوز بيتزا رسالتها ورؤيتها وقيمها على موقعها الإلكتروني (ومن بين قيمها "عامِل الناس كما تحب أن تُعامل")، فإنها لا تحدد غرض الشركة وذلك لسبب وجيه. إذ يبدو أنه من غير المناسب تبني "غرض" في حين تطالها ادعاءات بانتهاك القانون واتهامات بالاحتيال.

لقد شهدنا النمط الحاصل لدى دومينوز بيتزا من قبل لدى شركة متاجر إلفن سفن (7-Eleven) إذ تبين قبل بضع سنوات أن بعض أصحاب امتياز فتح هذه المتاجر يوظفون عاملين بأجور أدنى من الأجر القانوني في حين كان مالكها ورئيس مجلس إدارتها آنذاك يملك ثروة تساوي 750 مليون دولار أسترالي. وتكرر رصد هذا النمط مجدداً لدى العديد من المطاعم الأسترالية الراقية التي يديرها طهاة مشهورون وأثرياء. لقد ثبت أنهم يدفعون للعاملين لديهم أجوراً أقل مما يجب.

من الصعب للغاية بالنسبة للإدارة العليا في هذه الشركات أن تتبنى "هدفاً أسمى" لتحسين حياة العملاء والمستهلكين عندما يكون أولئك الذين يتعين عليهم أن يعملوا من أجل تجسيد ذلك لا يحققون "غرضهم الأساسي". وهذا يعني في حالة الموظفين تلقي الأجر الذي يستحقون – أو بالنسبة لأصحاب الامتياز، أن يعملوا في إطار اتفاقية امتياز تكون قابلة للتطبيق والاستمرارية.

وبالمثل، فإنه من الصعب تحديد غرض للشركة إذا كان العملاء يتعرضون للخداع.

في أستراليا، حيث أعيش، شهدنا تشكيل اللجنة الملكية للتحقيق في إساءة التصرف في قطاع الخدمات المصرفية، ومعاشات التقاعد والخدمات المالية. إنه تحقيق حكومي يترأسه قاض متقاعد هو رئيس سابق للمحكمة العليا. إن ما أثار الذهول والذعر لدى الجمهور الأسترالي هو الطريقة التي تصرف بها موظفو "البنوك الأربعة الكبرى" – كومنولث بنك (Commonwealth) ووستباك (Westpac)، ومجموعة أستراليا ونيوزيلاندا المصرفية (ANZ) والبنك الوطني الأسترالي (NAB). لقد أظهر التحقيق أن موظفي البنك يقدمون مصالحهم الخاصة على مصالح العملاء. ومن بين النتائج التي أذهلت الجمهور الأسترالي الكشف عن أن موظفي بنك "كومنولث" ظلوا عن عمديأخذون عمولة الاستشارة المالية لسنوات بعد وفاة عملائهم.

من الواضح من النتائج التي توصلت إليها اللجنة أن البنوك خلقت "ثقافة" – وهي كلمة تكرر استخدامها في التحقيق، الأمر الذي دفع الموظفين للنظر في الخدمات التي يقدمونها لعملائهم على أنها معاملات تجارية بحتة: سأبيعك هذا وسأحصل على كذا كمكافأة. (لا يختلف هذا عن فضيحة الحسابات الاحتيالية لدى ويلز فارغو الأميركية للخدمات المالية (Wells Fargo) وفضيحة مجموعة فولكسفاغن).

تأتي مثل هذه الثقافات من أعلى المراتب في الشركة. فهذا الأمر يعمل في صالح رؤساء البنوك التنفيذيين ويجعلهم بين الأعلى أجراً في أستراليا، ولكنه ليس في صالح عملاء البنوك مثلما تبين للأستراليين. (لقد حصل الرئيس التنفيذي لبنك كومنولث الذي تنحى العام الماضي عن منصبه على مبلغ 12,3 مليون دولار أسترالي، ومثله حصد غيره من كبار الرؤساء التنفيذيين الملايين).

يمكننا أن نتخيل ما ستكون عليه صورة هذه الشركات، إن كانت هناك صورة في الأصل، إذا ما بدأت بمناقشة "غرض" الشركة مع موظفيها، في حين تسود ثقافة المعاملات التجارية القائمة. سيستقبل الموظفون في أحسن الأحوال الأمر بإمارات تدل على الازدراء، إن لم يكن بشتيمة.

إن توضيح غرض الشركة هو فكرة رائعة، والموظفون يتأثرون لدى معرفتهم كيف يغير منتج ما أو خدمة معينة حياة العملاء.

ولكن إليكم هذا التحدي – وأنا أتوجه إلى الرؤساء التنفيذيين وكبار المدراء – عندما يتعلق الأمر بصياغة غرض الشركة: قبل إطلاق حملة التعريف بغرض الشركة وشحذ حماسة الموظفين بشأنه، اعملوا على ترتيب وضع الشركة من الداخل. تحققوا من وجود إنصاف عندما تقارنون بين مكافآت كبار الموظفين التنفيذيين وأجور الموظفين وظروف العمل. بخلاف ذلك، قد تُقابل جهودكم برد جماعي مفاده "لا بد أنكم تمزحون".

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!