نال "اكتشاف القرن الحادي والعشرين" جائزة نوبل بعد عامين من تحققه. ففي العام 2015، رصد مشروع مرصد الموجات الثقالية بالتداخل الليزري (ليغو) (LIGO) أخيراً الشيء الذي صُنع لأجله: ألا وهو موجات الجاذبية – وهي تموجات في نسيج الزمان والمكان – الناتجة عن تصادم ثقبين أسودين.

إنّ تجربة ليغو، من بين أشياء أخرى، تعتبر دليلاً على قوة فرق العمل في التعامل مع أصعب تحديات القرن الحادي والعشرين. وحقيقة الأمر أنّ أحد أبرز التحولات العالمية في قطاع الابتكار في السنوات الأخيرة كان نمو فرق العمل الكبرى في جميع مجالات البحث والتطوير، بينما تدهور حال المخترعين والباحثين المنعزلين وفرق العمل الصغيرة جميعاً.

وهذا التحول الجوهري يعد محورياً  بالنسبة للعلم وسياسة الابتكار، حيث يشير إلى فرق العمل الكبرى باعتبارها محركات مثالية لأكبر الطفرات المستقبلية.

ولكن، هل تتباين الفرق الكبيرة والصغيرة بحسب نوع الابتكار؟ هذا ما شرعنا في اختباره بالتعاون مع باحثنا في مرحلة ما بعد الدكتوراه لينغفاي وو. لقد فحصنا ملايين الأبحاث وبراءات الاختراع ومشاريع البرمجيات، ولخصنا رؤانا المتعمقة في ورقة بحثية نُشرت في مجلة نيتشر (Nature). خلاصة القول، اكتشفنا أنه على الرغم من أن فرق العمل الكبيرة تُطور العلم وتعززه، فإنّ الفرق الصغيرة محورية لزعزعته، وهي نتيجة لها آثار واسعة بالنسبة للعلم والابتكار.

هيمنة الفرق الكبيرة

وثّقَت عقود من الأبحاث التي أُجريت على فرق العمل وأشكال التعاون، الهيمنة المتزايدة للفرق الأكبر حجماً على الأفراد والفرق الصغيرة في مهام البحث والتطوير والمهام الإبداعية التي تتراوح ما بين الدراسات العلمية ومسرحيات برودواي الموسيقية (Broadway musicals).

الواقع أنّ الاكتشافات والاختراعات عظيمة الأثر اليوم نادراً ما تنبثق من عالم واحد، إذ يحتاج أعظم الاكتشافات إلى شبكات معقدة من المبتكرين الذين يعملون معاً ضمن فرق عمل أكبر وأكثر تنوعاً وزيادة في التعقيد. ويعكس هذا التوجه نتيجة مهمة أمست وصفة بسيطة: متى تعلق الأمر بتشكيل فرق العمل، فمن الأفضل أن يكون الفريق أكبر.

وجزء من السبب وراء حاجتنا إلى فرق كبيرة هو أن بعض الإنجازات ببساطة من الصعب على الفرق الأصغر عدداً القيام بها. على سبيل المثال، انطوت تجربة مشروع ليغو على إطلاق شعاعي ليزر داخل نفقين طول الواحد منهما 4 كم وينحصران داخل فراغ فائق الارتفاع لرصد تنوع مقداره جزء من الألف من قطر البروتون. لقد كانت تكلفة هذا المشروع هي الأكبر على الإطلاق من بين المشروعات التي مولتها مؤسسة العلوم الوطنية. وبالتالي، ليس من قبيل المفاجأة أن الورقة العلمية التي أعلنت عن الكشف أدرجت أسماء أكثر من 1,000 باحث.

ومع ذلك، ثمة أسباب تدعونا للإيمان بأن فرق العمل الأكبر ليست مؤهلة التأهيل الأمثل للكشف أو الاختراع. على سبيل المثال، من الأرجح أن تعاني فرق العمل الكبيرة من إشكالات التنسيق والتواصل؛ فالتماس موافقة الجميع على فرضية أو منهجية غير تقليدية أو تحويل المسار لاتباع خيط جديد سيتضح أنه أمر مرهق ينطوي على تحديات. ويمكن أن تتسم فرق العمل الكبيرة أيضاً بكراهة المخاطرة والمجازفة، حيث إنهم مطالبون بتحقيق سلسلة من الإنجازات المتعاقبة كي يتمكنوا من "سداد الفواتير" التي تلاحقهم. ومن هذا المنطلق، تميل فرق العمل الكبيرة – شأنها شأن مؤسسات الأعمال الكبرى – إلى التركيز على الرهانات المضمونة في الأسواق الأكثر رسوخاً. وعلى النقيض من ذلك، نجد أن فرق العمل الصغيرة – شأنها شأن المشروعات الصغيرة – من الأرجح أن تغتنم فرصاً جديدة غير مجربة لأن لديها الكثير لتكسبه والقليل لتخسره.

ويسوقنا هذا إلى أن نتساءل عما إذا كانت قصة الاعتماد فقط على الفرق الكبيرة ربما كانت منقوصة، حيث يقترح بحثنا أن حجم فريق العمل يفرض أساساً طبيعة العمل الذي يستطيع الفريق إنجازه، وأن حجم الفريق الأصغر يضفي مزايا حاسمة لا تتمتع بها الفرق الكبيرة.

الفرق الكبيرة تُطوّر، والصغيرة تُزعزع

لفحص آثار حجم الفرق، حللنا ما يربو على 65 مليون بحثاً وبراءة اختراع ومنتجات برمجية صدرت خلال الفترة بين عامي 1954 و2014. وقارنا بين عمل الفرق الكبيرة والجماعات الصغيرة، على اعتبار أن "الصغيرة" هي التي تتألف من ثلاثة أعضاء فأقل. وقسنا مدى زعزعة عمل ما، باستخدام مقياس زعزعة راسخ يقيم مدى زعزعة عمل ما لمجاله. ودلّنا ذلك على الكيفية التي طمس بها البحث "المستوى الأحدث للتطورات" السابق أو جعلنا نعيد النظر فيه، ليضع للآخرين اتجاهاً قيماً وجديداً كي يتبعوه.

وكشفت تحليلاتنا عن نمط عالمي تقريباً: فبينما تميل فرق العمل الكبيرة إلى التطور وتعزيز الأفكار والتصاميم الراهنة، تميل نظيراتها الأصغر إلى زعزعة سبل التفكير الحالية بأفكار واختراعات وفرص جديدة.

بتعبير آخر، تتفوق الفرق الكبيرة في حل المشاكل، غير أنّ الفرق الصغيرة هي التي تخلق على الأرجح مشاكل جديدة كي تحلها نظيراتها الأكبر عدداً. ويميل العمل الذي تقوم به الفرق الكبيرة إلى التوسع استناداً إلى أفكار أحدث وأشهر، بينما تتواصل الفرق الصغيرة بقدر أكبر مع الماضي، بحثاً عن الإلهام في أفكار وإمكانات سابقة أقل شهرة. والفرق الكبيرة، كاستوديوهات الأفلام الضخمة، من الأرجح أن تنتج تتمات لقصص سابقة لا قصصاً جديدة. لقد اكتشفنا أنه مع زيادة حجم فريق العمل من 1 إلى 50 عضواً، تراجع مستوى الزعزعة تراجعاً حاداً. وبدت نتائجنا قوية جداً وصامدة في مواجهة العديد من الاختبارات والتفسيرات البديلة. على سبيل المثال، يمكن أن يحتج المرء بأن أنواعاً محددة من البشر أكثر قابلية للعمل لدى فرق أصغر أو أكبر عدداً، ما يغير النتائج المرتبطة بكل فريق. ولكن، عندما قارنا عمل الفرد ذاته داخل فريق صغير بعمله داخل فريق كبير، اكتشفنا أوجه اختلاف منهجية تتسق مع نتائجنا. وتبين لنا أيضاً أن الاختلافات بين الفرق لا تُعزى إلى أنواع الموضوعات المختلفة التي تميل الفرق الكبيرة والصغيرة إلى دراستها. ويوحي ذلك بأن الأمر يتعلق في جوهره بحجم الفريق لا التصنيف الفعال للأشخاص والمشاكل.

ادعم الفرق الصغيرة

كان لعلمنا بضعة آثار عملية أساسية. في المجمل، تظل الفرق الكبيرة مهمة على عدة مستويات، بما في ذلك للأعمال واسعة النطاق المرتبطة ببراءات الاختراع وتطوير البرمجيات وغير ذلك من المجالات. غير أنّ دعم الفرق الكبيرة وحدها يمكن أن يعوق نمو الأفكار المبتكرة عن طريق عرقلة البيئة المزدهرة بالعلوم والتقنية.

والواقع أنه وعلى الرغم من أن مشروع ليغو كان إنجازاً لم يكن ليحققه أي فريق صغير، فإنه فتح الباب على مصراعيه أمام طيف جديد من الرصد الفلكي، وكانت الانطلاقة الأولى استعراضاً دقيقاً لفرضيات سابقة. وعزى الائتلاف أي انحراف عن النظرية تم قياسه إلى عيوب في الأداة، ما يجعل من المستحيل انتهاك التوقعات. أُقيم مشروع ليغو للتحقق من نظرية النسبية العامة شديدة الزعزعة للأوضاع القائمة المقترحة منذ مئة عام بالضبط. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 1915، عندما نمى إلى علم الأكاديمية البروسية للعلوم لأول مرة "اكتشاف القرن العشرين" هذا، فقد وجدت أن المكتشف هو باحث وحيد "ألبرت أينشتاين"، المثال الساطع للفريق الصغير. لقد دفعت فكرة موجات الجاذبية وقياسها العلم إلى الأمام، ولكن في اتجاهات مختلفة تماماً.

وعلاوة على ذلك، ونظراً للمزايا الملموسة لفرق العمل الكبيرة، هناك دليل على أنّ هيئات التمويل ربما تفضل فرق العمل الأكبر على الأصغر حتى لو كان الاثنان مؤهلين بالقدر نفسه. ويمكن أن يسهم ذلك في تحقيق نبوءة تتحقق من تلقاء ذاتها وتضخ دعماً بشكل غير متناسب في فرق العمل الكبيرة. وإذا لم نكن جادين حيال دعم وتعزيز فرق العمل الصغيرة التي تزعزع التفكير التقليدي عن طريق خلق اتجاهات جديدة، فمن المحتمل أن يتباطأ الابتكار الذي يُعد محرك النمو الاقتصادي. وبدون فرق عمل صغيرة، يجوز ألا نكتشف قط المشاكل الجديدة لتحلها فرق العمل الكبيرة، وألا نتوصل إلى منتجات جديدة لتطورها فرق العمل الكبيرة.

وهذا يعني أن نوعي فرق العمل ضروريان للحراك بعيد المدى للابتكار. فبينما تستطيع فرق العمل الصغيرة إحداث زعزعة وإنجاز ابتكار، تستطيع فرق العمل الكبيرة استكمال المسيرة والمشاركة في تطوير أكبر لمجال ما كجزء من حلقة حميدة.

وتسري هذه الأفكار على ميدان الأعمال أيضاً. ففي الآونة الأخيرة، كان من السهل أن نصدق أن إضافة عضو جديد أو ثلاثة أعضاء جدد إلى الفريق سيكون دوماً الخيار السليم، أو على الأقل أنه لن يضر. ويثبت بحثنا أن هذا ليس صحيحاً. فتشكيل فرق عمل أكبر من الأرجح أن يحول التركيز والنتيجة من الزعزعة إلى التطوير. وبالنسبة للمشروعات الأكثر ابتكاراَ والتي تسعى إلى زعزعة مجال ما وتحريك البوصلة بقدر كبير، ربما ينبغي على المرء النظر في كيفية تقليص حجم فريق العمل. وقد اشتهر عن جيف بيزوس قوله: "إذا لم تستطع أن تطعم فريق عملك فطيرتي بيتزا، فاعلم أن فريقك أكبر من اللازم". إننا بحاجة إلى فرق عمل أكبر ذات تخصصات متعددة أكثر لحل المشاكل العالمية التي تزداد تعقيداً، غير أن المشروعات الصغيرة والفرق التي تحويها محورية للتنقيب بمرونة في الاحتمالات المبتكرة وتحديد الابتكارات الثورية للعام التالي. وعليه، فمن الضروري ضمان قدرة الأنواع المختلفة من فرق العمل على العمل معاً بشكل متناغم لتحقيق أداء كلي أفضل داخل الشركات والصناعات وعبرها.

خلاصة القول هي أنّ فرق العمل الأكبر عدداً ليست دوماً الأفضل. وأن الوصول إلى حجم الفريق المثالي لأداء المهمة ربما كان السؤال الأول الذي يتعين على قادة المستقبل الإجابة عنه لإماطة اللثام عن إمكانات مشاريعهم.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!