إن الأفكار هي عملة القرن الحادي والعشرين. وفي عصر اقتصاد المعرفة الذي نعيشه الآن حيث الأفكار أهم بكثير من أي وقت مضى، ربما تصبح القدرة على الإقناع وتغيير القلوب والعقول هي المهارة الأعظم التي ستمنحك الميزة التنافسية.

احصل على الدليل الشامل للمبيعات من هارفارد بزنس ريفيو لتنهي صفقاتك بشكل رابح في كل مرة

ويعتقد بعض الاقتصاديين أن الإقناع هو المسؤول عن ربع دخل أميركا القومي أو أكثر. ومع تطور اقتصادنا من زراعي إلى صناعي، ومن ثم تطوره إلى اقتصاد مبني على المعرفة، أصبح الناجحون في كل مهنة تقريباً هم الأشخاص الأكثر قدرة على إقناع الآخرين بأفكارهم. وستدرك دور الإقناع في حياتنا اليومية، إذا نظرت إلى الأمثلة التالية:

  • يقنع رواد الأعمال المستثمرين بدعم شركاتهم الناشئة.
  • يقنع المرشحون للوظائف مسؤولي التوظيف بتعيينهم.
  • يقنع السياسيون الناس بالتصويت لهم.
  • يقنع القادة الموظفين بتنفيذ برامج عمل محددة.
  • يقنع الرؤساء التنفيذيون المحللين بكتابة تقارير إيجابية عن شركاتهم.
  • يقنع مندوبو المبيعات الزبائن باختيار منتجهم وتفضيله على عروض المنتجات المنافِسة.

باختصار، فإن الإقناع لم يعد مجرد "مهارة شخصية"، بل أصبح مهارة أساسية تساعدك في جذب المستثمرين، وبيع المنتجات، وتأسيس علامات تجارية، وإلهام الفرَق، وتحفيز الحركة. ويبدو الإقناع أمراً بالغ الأهمية للملياردير وارن بافيت، لدرجة أن الشهادة الوحيدة التي يعرضها مفتخراً في مكتبه هي شهادة مخاطبة الجماهير، والتي حصل عليها من دورة تدريبية للكاتب والمحاضِر ديل كارنيغي. وقد أخبر "بافيت" طلاب كلية الأعمال ذات مرة أن تطوير مهارات التواصل لديهم يدعم قيمتهم المهنية بنسبة 50% فوراً.

ونظراً لأن الكلمات والأفكار كانت الأساس للعالَم المعاصر، فقد تحولك إلى نجم في مجالك طالما أنك قادر على إقناع شخص آخر بتبنيها أيضاً. وإذا أردت النجاح في ذلك، يمكنك اتباع التكتيكات التي وضعها أحد الفلاسفة الإغريقيين القدامى.

إذ حدد "أرسطو"، قبل 2000 عام، بعض الأدوات لإتقان فن الإقناع في كتابه "البلاغة الخطابية" (Rhetoric). وقد استخدم العديد من المحاورين العظماء بالفعل هذه الأدوات على مر العصور لتقديم أكثر الخطابات والعروض التقديمية تأثيراً، ولمشاركة أفكارهم مع العالم.

وإذا أردت إتقان فن الإقناع، واستخدامه لبيع أفكارك بنجاح، حاول استخدام هذه الأدوات الخطابية الخمس التي حددها أرسطو في خطابك أو عرضك القادم:

1) الإيثوس (Ethos) أو "سمعة المتحدث وشخصيته"

بالنسبة لي، تمثل الشخصية جزءاً من الخطاب عندما يكوّن جمهورك الرؤى حول مصداقيتك. فكان أرسطو يعتقد أنه إن لم تدعم أفعال المتحدث كلماته، فقد يفقد المصداقية، وبالتالي تضعف حجته.

على سبيل المثال، يفتتح براين ستيفينسن، محامي حقوق الإنسان، أحد خطابات تيد الشهيرة حول إعادة تشكيل نظام العدالة الجنائية قائلاً: "أقضي معظم وقتي في السجون والمعتقلات ووحدات الإعدام. وأقضي معظم وقتي في مجتمعات فقيرة جداً ضمن المشاريع والأماكن التي يسيطر عليها اليأس". وهنا، ستلاحظ أن "ستيفينسن" لم يتحدث عن شهاداته وإنجازاته والجوائز كما يعرضها في سيرته الذاتية. ولكن بدلاً من ذلك، فضّل أن يبني شخصيته ليتعرف إليه الجمهور الذي يجهله. وبذلك فهو يبنى الثقة بينه وبين المستمعين إليه.

ونحن، كبشر، مبرمجون على البحث عن الأسباب التي تدفعنا للثقة بشخص آخر، ونصل إلى هذه الثقة بسرعة. ففي النهاية، كان أسلافنا يحددون خلال لحظة واحدة ما إن كان الغريب الذي أمامهم صديقاً أم عدواً. إن مجرد استحضارك لفكرة التزامك بتقديم ما فيه مصلحة الآخرين يساهم في بناء مصداقيتك قبل عرض حجتك.

2) اللوغوس (Logos) أو "المنطق"

بعد أن تبني، كمتحدث، سمعتك وشخصيتك، يحين وقت إرسال إغراء منطقي يدفع الجمهور للتفكير فيه. لمَ ينبغي على جمهورك الاهتمام بفكرتك؟ فإن كانت الفكرة، على سبيل المثال، تساعد جمهورك على توفير أموالهم، سيرغبون بمعرفة المقدار الذي ستوفره لهم، وكذلك طريقة التوفير. وينطبق المنطق ذاته على كسب المال، فكيف تساعد فكرتك المستمعين على تحقيق أرباح؟ وما هي الخطوات التالية التي ينبغي عليهم اتخاذها لتحقيق ذلك؟ وتعد هذه الإغراءات المنطقية التي ستساعدك في كسب الدعم منهم. استخدم البيانات والدلائل والحقائق لتشكيل حجة منطقية.

3) الباثوس (Pathos) أو "العاطفة"

وفقاً لأرسطو، لا يمكن أن تحدث عملية الإقناع في غياب العاطفة. إذ يندفع الأشخاص إلى اتخاذ أفعال معينة من خلال الطريقة التي يجعلهم المتحدث يشعرون بها. كان أرسطو يعتقد أن الطريقة المثلى لنقل العاطفة من شخص إلى آخر هي استخدام أداة بلاغية تتمثل في رواية القصص. وبعد أكثر من 2000 عام، أثبت متخصصو الأعصاب صحة فرضية أرسطو. إذ وجدت الدراسات أن القصص تحفز مواد كيميائية عصبية في الدماغ، ولا سيما مادة "الأوكسيتوسين"، ويدعى "الجزيء الأخلاقي"، وهو الذي يربط الناس على مستوى عاطفي عميق.

وعند تحليلي لخطابات تيد الأشهر على الإطلاق والتي يبلغ عددها 500 خطاب، وجدت أن القصص تشكّل 65% من متوسط خطاب المتحدث، بينما يشكّل المنطق 25% من الخطاب، وتذهب الـ 10% المتبقية إلى السمعة والشخصية. وبعبارة أخرى، فإن المعادلة الناجحة لإلقاء خطاب تيد شهير هي تقديم الفكرة الكبيرة ضمن قصة.

ولكن أي نوع من القصص؟ يوضح ذلك مشرف "تيد"، كريس أندرسون، بقوله: "القصص التي تحقق أفضل تواصل مع الجمهور هي القصص الشخصية التي تحكي عنك أو عن أشخاص مقربين لك. إذ يمكن أن تسرّع الحكايات الأصلية التي تروي إخفاقات أو مواقف محرجة أو سوء حظ أو مخاطر أو كوارث التفاعل العميق مع الجمهور". إذاً المحتوى الشخصي هو ما يحقق لك أفضل تواصل مع الجمهور.

4) الاستعارات

كان أرسطو يعتقد أن الاستعارة تمنح اللغة جمالها اللفظي. إذ كتب ذات مرة: "إن إتقان استخدام الاستعارة هي المهارة الأعظم على الإطلاق". فحينما تستخدم الاستعارة أو القياس لمقارنة فكرة جديدة بشيء مألوف لجمهورك، سيوضح ذلك فكرتك من خلال تحويل ما هو تجريدي إلى ملموس.

لنعُد إلى مثال وارن بافيت أحد أفضل ممارسي فن الإقناع. إذ نادراً ما يُجري "بافيت" مقابلة دون استخدام الاستعارة لإيضاح فكرته. وعندما تسمع المستثمرين يقولون إنهم يبحثون عن شركات محاطة بخندق مثلاً، فهم يشيرون إلى استعارة شهيرة من تأليفه. حيث ذكر "بافيت" مراراً أنه يبحث عن شركات وصفها "بقصور اقتصادية" محاطة بخنادق، مما يصعب على المنافسين دخولهم إلى المجال.

كما ألقى "بافيت" خطاباً في اجتماع المساهمين السنوي لشركة بيركشير هاثاواي (Berkshire Hathaway) لعام 2017، وأشار فيه إلى أن نمو الإنفاق على الرعاية الصحية هو "الدودة الشريطية" التي ستصيب الاقتصاد الأميركي. إذ استطاع "وارن" من خلال هذه الاستعارة العميقة وصف مشكلة حقيقية تنخر في أساس نظامنا الاقتصادي، ولم يضطر إلى شرح ما يحدث عندما تكبر هذه الدودة. وحينها استخدمت الصحف والمدونات التي غطّت الحدث استعارة "الدودة الشريطية" في عناوينها الرئيسية.

إن الأشخاص المتقنين لاستخدام الاستعارة قادرون على تحويل الكلمات إلى صور تساعد على فهم أفكارهم بصورة أفضل، والأهم من ذلك هو تذكر هذه الأفكار ومشاركتها. إنها أداة قوية حقاً.

5) الإيجاز

هنا أثبت أرسطو مرة أخرى أنه سابق لعصره. "اكتشف أرسطو وجود حدود عامة لكمية المعلومات التي يمكن للإنسان استيعابها وحفظها"، هذا ما كتبته الأستاذة الجامعية في كلية كينجز (Kings College)، إديث هال، في كتابها "طريقة أرسطو" (Aristotle’s Way). وأضافت: "عندما يتعلق الأمر بالإقناع فإن القليل أفضل دائماً".

يعد الإيجاز عنصراً مهماً جداً عند إلقاء خطاب بهدف الإقناع. إذ يقول أرسطو إنه يجب التعبير عن أي حجة باستخدام "أكثر الصيَغ اختصاراً، وبأقل الكلمات الممكنة". كما لاحظ أن بداية الخطاب هو الجزء الأهم، إذ أنه "يمكن أن يضعف انتباه الجمهور في أي لحظة ما عدا البداية". وبالتالي فإن الدرس المستخلص هو: ابدأ خطابك بأقوى الأفكار.

والخبر السار هنا بالنسبة للمحاورين هو أن الإقناع مهارة يمكن تعلمها، وذلك بحسب اعتقاد أرسطو. وبهذا الاعتقاد، شكّل أرسطو "تهديداً شديداً" على فئة السياسيين في اليونان القديمة عندما قدم أدواته البلاغية للجماهير، وذلك وفقاً للأستاذة هال. إذ أرادوا إبقاء المعادلة سرية جداً، ولكن أرسطو كان يرغب بإتاحتها للجميع. كان مؤيداً لفكرة أن قدرة الشخص على الحديث والكتابة بصورة جيدة، واستخدام الأدوات البلاغية لتغيير وجهة نظر شخص آخر يمكن أن تطلق العنان لقدرات الإنسان وتضاعف سعادته. ورغم أن الأدوات التي نستخدمها لإيصال الأفكار تغيرت خلال الـ 2000 عام السابقة، إلا أن الدماغ البشري لم يتغير. لذلك، فإن المعادلة الناجحة في ذلك الوقت ستنجح اليوم أيضاً.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2020

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!