في فيلم "فورست غامب" (Forrest Gump)، يصبح بطل الفيلم رجلاً فاحش الثراء على إثر وقوع كارثة طبيعية تكون عواقبها غير متوقعة على الأعمال التجارية. لا يستطيع فورست صيد الجمبري عندما يبدأ بالعمل في هذا المجال. وتتبدل حظوظه عندما يضرب إعصار المنطقة، فيكون قاربه هو الناجي الوحيد من هذه الكارثة، ليتحول فورست إلى مليونير كبير لا أحد يقوى على منافسته.

هذا مشهد مضحك، ولكنه يوضح حقيقة اقتصادية، وهي أن الأعمال التجارية غالباً ما تكون غير مستعدة للتعامل مع الكوارث البيئية. لقد أدرك واضعو السياسات هذا الأمر، كما اتخذت هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية (SEC) في السنوات الأخيرة إجراءات لإجبار الشركات على الإفصاح عن المخاطر المتصلة بتغير المناخ. وقد هددت إدارة ترامب بالتراجع عن هذه المتطلبات، وهو ما سيضر بالشركات والمستثمرين والمستهلكين.

قبل أكثر من 20 عاماً، قام مايكل بورتر، الأستاذ في كلية هارفارد للأعمال، بتقديم  فرضية بورتر، ومفادها أن التشريعات البيئية يمكن أن تعود بالفائدة على الشركات من خلال حثها على النظر في طرق الإنتاج الحالية والتخلص من النفايات باهظة التكلفة التي لم يكونوا يلاحظونها. ويوضح هربرت سيمون الحائز على جائزة نوبل كيفية نجاح ذلك من خلال نموذج العقلانية المحدودة في اتخاذ القرار. فحسب هذا النموذج، يتكبد صناع القرار تكلفة القيام بإجراء ما، وهذا ما يجعلهم يلتزمون بـ "إبقاء العمل كما هو معتاد". ومن الممكن أن تتصرف قيادة شركة ما في مثل هذه الحالة بوتيرة بطيئة تجاه المخاطر الناشئة. وإن صحّ ذلك، يمكن لدفعة قوية من الحكومة أن تشجع شركة ما على تغيير طرقها، وهو ما سيؤدي إلى أداء بيئي ومالي أفضل.

لقد أقرّت هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية بهذا الأمر، ففي عام 2010 أصدرت الهيئة وثيقة تخطيط تطالب من خلال الشركات التي تطرح أسهمها للتداول العام بالإفصاح عن المخاطر المتصلة بتعرضهم لتغيّر المناخ. وقد كان مارك كارني محافظ بنك إنجلترا يشدد على أهمية التعامل مع هذه المشاكل.

قام مرشح الرئيس ترامب لرئاسة هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية، جاي كلايتون، بحث العملاء على الإفصاح عن المخاطر المتصلة بتغير المناخ. ولكن يبدو أن مصير هذا المتطلب أصبح مجهولاً على نحو مفاجئ، حيث عزمت الإدارة الأميركية بشكل عام على إلغاء القيود التنظيمية ورفض الاعتراف بوجود التغير المناخي. يمكن أن يتأثر الأداء الاقتصادي للولايات المتحدة خلال فترات الصدمات المناخية الشديدة إذا لم تكن كبرى الشركات مستعدة لمواجهة المخاطر الناشئة على هذا الصعيد. وفي المقابل، إذا ألزمت الشركات بالإفصاح عن تعرضها لخطر تغيّر المناخ كما خططت هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية، فستنعكس عملية الكشف هذه على أسعار الأصول، وهو ما سيشجع الشركات على بناء قدرتها على التأقلم مع آثار تغيّر المناخ. هذه المطالبة المتفائلة تمثل إعادة صياغة لنظرية بورتر الأصلية، ويوجد دليل تجريبي يدعمها.

وتقترح دراسة حالة حديثة تخص القطاع أن المستثمرين لم يكونوا على علم بكيفية تأثير الصدمات المناخية السابقة على ربحية الشركات. خذ بعين الاعتبار استراتيجية استثمارية تقوم فيها ببيع مخزوناتك في قطاع الأغذية خلال أوقات الجفاف وشراء مخزونات غذائية خلال الأيام الماطرة. وتوثّق ورقة عمل صدرت عن المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية (NBER) أنه في الفترة الممتدة من عام 1985 حتى 2014، كان بإمكان هذه الاستراتيجية أن تحقق معدل متوسط عائد سنوي كبير يساوي 9.2%. والسبب في ذلك هو أن ربحية قطاع الأغذية تتناسب عكسياً مع الجفاف لأن الإنتاج الزراعي يتوقف على الظروف المناخية. وبالنظر إلى إمكانية التنبؤ بظروف جفاف مستقبلية بناء على المعلومات الحالية، يجب أن يتفاجأ المناصرون لفرضية كفاءة السوق من عدم رؤية المستثمرين لهذه الاحتمالات والاستثمار تبعاً لذلك.

وتُلزم الشروط التي اقترحتها هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية الشركات بالخضوع لعملية من "اكتشاف الذات" لفهم طبيعة المخاطر الجديدة التي تواجهها. ولن يؤدي التشريع إلى توصل الشركات التي خضعت لهذه العملية سراً إلى معلومات جديدة، ولكن اضطرار الشركات للإفصاح عن المعلومات سيوصل هذه المعلومات إلى حاملي الأسهم والمستثمرين المحتملين بشكل أفضل. وهذا ما سيخلق جواً من المساءلة في السوق، كما سيشجع مثل هذه الشركات على توظيف مستشارين بيئيين ولوجستيين لتقديم حلول تحد من تعرض الشركة للخطر. وقد يقوم هؤلاء المستشارون باقتراح استراتيجيات مثل امتلاك سلاسل إمداد احتياطية في أوقات الطوارئ. على سبيل المثال: ما الخطوات التي يمكن اتباعها لضمان عدم نفاد حبوب القهوة من شركة ستاربكس لمدة شهر؟ ويمكن تصنيف المواقع الجغرافية بحسب القدرة على التكيف مع المناخ حتى لا تُبقي شركة مثل جوجل سيرفراتها في مكان يتعرض لخطر حدوث كوارث فظيعة.

يمكن للحكومة بوصفها مزودة خدمات عامة أن تؤدي دوراً مفيداً في دفع الشركات للإفصاح عن هذه المعلومات، ما سيلفت انتباه المستثمرين. وقد تساعد متطلبات الإفصاح الشركات التي يجهل قادتها ما تجهله من ناحية مخاطر المناخ التي تواجهها. ومن غير المرجح قيام هذه الشركات بتقييم خطر التعرض للمخاطر التي تزادا لديهم. وإذا قام الرئيس ترامب بإدخال تشريع هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية الحالي حيز التنفيذ، وشجّع على فرض عقوبات على عدم القيام بمثل هذه الإعلانات، فستتعرف هذه المجموعة من الشركات على المخاطر الجديدة التي تواجهها وستدرك أن الإفصاح العلني عن هذه المعلومات سيعرضها للمساءلة.

ستعرف الشركات المختلفة عن المخاطر المختلفة. وستعرف بعض هذه الشركات أن مقراتها الرئيسة تواجه خطر حدوث فيضان، بينما ستعرف شركات أخرى أن تعرضها لفواتير كهرباء عالية جداً يرجع إلى أسلوب التسعير الديناميكي أو خطر انقطاع الكهرباء في المصانع في الدول النامية. وقد تعرف بعض الشركات عن مخاطر النقل والإمداد مثل عدم القدرة على إرسال سفن كبيرة عبر نهر المسيسيبي سيكون بسبب الجفاف.

وإن الأثر الصافي لهذه الإفصاحات سيكون بتزايد استثمار الشركات في قابليتها على التأقلم للادعاء بأنها تقوم بإحراز تقدم على صعيد التقليص من خطر تعرضها. وبينما تطلب هذه الشركات حلولاً جديداً للتحديات التي تواجهها، سيظهر روّاد أعمال جدد لتلبية طلباتها. ولهذه الغاية، ستساعد شروط الكشف التي وضعتها هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية على تسريع التأقلم، لكي يقل عدد القطاعات المعرضة للتأثر بالظواهر الجوية بالغة الشدة.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!