في وقت سابق من هذا العام، وقع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمراً تنفيذياً لإحداث "المبادرة الأميركية للذكاء الاصطناعي" من أجل توجيه تطورات الذكاء الاصطناعي واستثماراته في المجالات التالية: البحث والتطوير والمعايير الأخلاقية والأتمتة (التشغيل الآلي) والتوعية الدولية. تمثل هذه المبادرة مؤشراً لتغير الزمن، ولتعلم الولايات المتحدة كدولة طريقة التعامل مع الآثار المترتبة على الذكاء الاصطناعي. ويواجه قادة عالم الأعمال على وجه الخصوص مسؤولية تجهيز موظفينا بالمهارات اللازمة لرصف مسارات مهنية تستمر طويلاً، كما يجب على القوة العاملة اكتشاف ما سيكون متوقعاً مع استمرار التقنية بزعزعة القوانين والعمل كما نعرفه.

احصل على الدليل الشامل للمبيعات من هارفارد بزنس ريفيو لتنهي صفقاتك بشكل رابح في كل مرة

وبصفتي قائد شركة ومتفائلاً بالذكاء الاصطناعي وأباً، أطرح السؤالين التاليين: ما الذي سيجعل المهن مستدامة في عام 2020 وما بعده؟ هل سيرتقي مستقبل التعليم ليلبي احتياجات العمل المستقبلي؟ أنا أؤيد الحركة المتنامية لبناء قوة عاملة موجهة نحو المستقبل على مستوى الدولة بأكملها، تقوم على مهن مستدامة. ولكن تحقيق هذا الهدف يستوجب إنجاز مزيد من العمل.

وكي تزدهر القوة العاملة الأميركية في الثورة الصناعية الرابعة، يجب أن تحقق ثلاثة أمور أساسية:

  1. ستضطر أميركا للاستثمار في مجالات جديدة في التعليم والالتزام بالتعامل معه بمرونة.
  2. سيتعين على المسؤولين التنفيذيين العمل على نحو أفضل فيما يتعلق بصقل مهارات الموظفين الحاليين الذين يعملون في أدوار ستتغير مستقبلاً.
  3. يجب علينا كدولة أن نستثمر بصورة أفضل في نظامنا التعليمي مع اعتناق ثقافة التعلم المستمر مدى الحياة في نفس الوقت.

التعاطف مقابل الأتمتة: لا يستبعد أحدهما الآخر

مع تزايد انتقال الأشياء إلى التشغيل الرقمي، تركز المواد التي يتم تدريسها في الجامعات على صقل الطلاب "لمهاراتهم المهنية التقنية". ولكن في عصر الذكاء الاصطناعي، يجب أن تتوسع المناهج أيضاً لتعدّ موظفي المستقبل على نحو أفضل وتزودهم بالمهارات الإنسانية التي ستبنى عليها مساراتهم المهنية في المستقبل. ومع أتمتة مزيد من الأعمال اليدوية وانتقال البشر إلى اتخاذ أدوار حركية أكثر، يجب على المعلمين وقادة الشركات على حد سواء أن يسألوا باستمرار: ما هي المهارات المهنية والشخصية التي تحدد النجاح في مكان العمل الذي يصبح افتراضياً أكثر فأكثر ويزداد اعتماده على التقنيات يوماً بعد يوم؟

بدأت عدة جامعات بإدخال الذكاء الاصطناعي إلى برامجها، بدءاً من أجهزة المساعدة الرقمية وصولاً إلى مجالات الدراسة المركزة على الذكاء الاصطناعي وحتى أجهزة المساعدة الآلية للتعليم. ومع ذلك، ستتطلب الوظائف المستقبلية أكثر من الطلاقة في استخدام التقنية. يبين بحث أجراه الخبيران التجاريان ناثان وروبرتا ساواتزكي، أن مجالات الذكاء العاطفي ستحظى دائماً بأهمية كبيرة في سوق العمل، كمهارات الاتصال والتوجيه الذاتي والجدارة بالثقة والانضباط والمبادرة والمرونة والكفاءة الذاتية. ومن المعروف أن الذكاء الاصطناعي يفتقد مجال التعاطف، ولهذا سنكون بحاجة دائمة إلى الموظفين البشر الذين يتمتعون "بمهارات شخصية" قوية ليضفوا اللمسة الإنسانية والحكمة والوعي إلى مكان العمل. كيف يمكن قياس هذه المهارات؟ وكيف يمكننا تكييف القاعات الدراسية من أجل غرس هذه الجوانب الحساسة بصورة أفضل في الجيل القادم من الموظفين؟ سيكون طرح هذه الأسئلة على أنفسنا أساسياً في تحفيز الحلول التعاونية اللازمة لتطوير التعليم التقليدي.

لن يكون بإمكاننا بعد الآن التعامل مع التعليم وفق نموذج "قياس واحد يناسب الجميع"

يجب علينا نحن أيضاً كرؤساء تنفيذيين تعزيز نهج متجدد للتعليم، بما في ذلك إتاحة فرص تدريب مهني ضمن شركاتنا. أقام المجلس الاستشاري لسياسة القوى العاملة الأميركية اجتماعاً في البيت الأبيض من أجل تحديد طريقة "تطوير استراتيجية تجديد القوة العاملة الأميركية وتنفيذها كي تتمكن من مواجهة تحديات القرن الواحد والعشرين على نحو أفضل". وكنت سعيداً بصورة خاصة لرؤية أن أحد الحلول المطروحة يتضمن زيادة تمويل المدارس المهنية وبرامج التدريب الصناعي. فنظراً للعدد الكبير لخريجي الجامعات في السنوات الأخيرة، هناك حتماً حاجة ماسة للتدريب المهني في مجالات تساهم في الوظائف الأساسية للمجتمع، كالميكانيكا والإلكترونيات وأنظمة التحكم بالكمبيوتر والماكينات وضغط الهواء. وعلى الرغم من أن التعليم الأكاديمي التقليدي هو امتياز وأصل بالتأكيد، إلا أن برامج التدريب الصناعي تقدم خبرة عملية لمن لا يشعرون بالانجذاب نحو مهنة جامعية. والحقيقة هي أن هناك عدة درجات للتعلم، وقد لا تكون شهادة الجامعة التقليدية بعد دراسة تستمر أربعة أعوام متاحة للجميع، ولا بأس بذلك. وربما لم يكن التدريب التقني الحل المناسب للبعض فحسب، وإنما هو أيضاً البديل الذكي لقوتنا العاملة الكبيرة مع استمرار تحول الوظائف والمهارات.

وستعتمد القوة العاملة المستقبلية على مجموعة مهارات تكميلية. وحتماً، سنكون بحاجة إلى التعليم الجامعي والتدريب المهني على حد سواء. ولكن، على الرغم من عودة التعليم المهني والتقني، فإن المدارس التجارية والوظائف العمالية غالباً ما تترافق بوصمات لا مسوغ لها. وهذا ما يحدث تماماً بالنسبة لمن يترعرعون مع شعار "تابع دراستك"، معتقدين أن طريق النجاح له صيغة ثابتة تبدأ بشهادة الثانوية العامة تتبعها شهادة الجامعة وتستكمل أحياناً بالدراسات العليا والشهادات التخصصية للحصول على ميزة تنافسية أكبر. ولكن في الجهة المقابلة، يمكن أن يكون نموذج التعليم القائم على "التدريب المزدوج"، أي دمج المواد الدراسية مع الخبرات العملية، مرضية ومربحة تماماً كمهن ما بعد التخرج من الجامعة.

في عام 2014، حصل أقل من 5% من الشباب الأميركيين على التدريب الصناعي مقارنة بنسبة 60% من الشباب في ألمانيا. ويجب على القادة في الحكومة والمناصب التنفيذية العليا تأييد التعليم التقني بصورة أكبر، ويجب ألا نسمح باستمرار الوصمات التي تحاول الحطّ من شأن هذا العمل الذي يتمتع بقيمة كبيرة للغاية. ويتعين على المجتمع الأميركي التأكيد على أهمية المسارات المهنية المختلفة ودعمها، ويتعين على قادة الشركات التفكير في كيفية إنشاء فرص التدريب المهني داخل شركاتهم. وعلى حد تعبير الرئيس التنفيذي لمعهد المهارات والابتكار في مكان العمل (IWSI America) نيكولاس ليمان: "إن التدريب الصناعي يضاهي التدريب على الاحتياجات الحقيقية، ويضمن وجود مجموعة من الموظفين الذين يمكنهم القيام بالأعمال، ويواكب التغيرات في التقنيات ويوفر عائداً إيجابياً على الاستثمار".

يجب أن يصبح المسؤولون التنفيذيون معلمين لصقل المهارات

بالتأكيد، سيعزز تغيير وجه التعليم الموظفين المبتدئين للعمل في الوظائف المستقبلية المرنة، ولكن ماذا يعني "تجديد" القوة العاملة الأميركية بالنسبة لمن يعملون بجد منذ أعوام؟ يجب على قادة المناصب التنفيذية العليا في الوقت الحالي الالتزام بإتاحة الفرص للموظفين المسرحين كخيار أول لتعزيز شركاتنا إضافة إلى توفير فرص التدريب الفني للموظفين الجدد في القوة العاملة.

وكذلك يجب على المسؤولين التنفيذيين في الشركات مشاركة المسؤولية لمساعدة الموظفين في تبني مجموعة مهارات جديدة ستؤدي إلى تحقيق نسب أعلى من الاحتفاظ بالموظفين على المدى الطويل. وقد أعرب عديد من كبار المسؤولين التنفيذيين عن ثقتهم في تقدمهم في توفير برامج صقل المهارات، ولكن يبقى هناك انفصال جوهري بين شعور الموظفين تجاه صقل مهاراتهم وفهم أرباب العمل لطريقتهم المتبعة في صقل مهارات موظفيهم. يجب علينا سدّ هذه الفجوة، الأمر بهذه البساطة. يجب على أرباب العمل تقديم برامج صقل المهارات والتدريب بطريقة وحجم يساعدان الموظفين على رؤية أن هذه البرامج صادقة تجاههم وميسرة لهم. بالإضافة إلى ذلك، يجب أن يشعر الموظفون وأن يفهموا أن برامج التدريب هذه تتيح لهم فرصة للنمو الوظيفي.

على الرغم من أن التفكير في الأمر قد يبدو محبطاً، إلا أنه بإمكاننا في الحقيقة توليد المشاركة النشطة حول صقل المهارات. وإذا استثمرنا، بصفتنا مسؤولين تنفيذيين، في مبادرات حقيقية لصقل المهارات، وهي برامج تعليمية داخلية جديدة تمكّن الموظفين من اكتشاف مهاراتهم وتحديد الثغرات وشحذ إمكاناتهم من خلال مسارات المعرفة المخصصة وخططها، فسيصبح الموظفون معدون بفعالية وكفاءة أكبر لوضعهم في مناصب جديدة. وفي اعتقادي، ستركز هذه المناصب على رفع مستوى الموظفين إلى أدوار ذات قيمة مضافة أعلى. أعتقد أن المسؤولين التنفيذيين سيجدون أن الموظفين مستعدون لذلك، بل يطالبون به في الواقع. إذ تظهر الدراسات واحدة تلو الأخرى أن الشركات لا تتماشى مع رغبات موظفيها في التعلم، وخاصة فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي.

دعوة للفضول: على مستوى الشركة والدولة

بما أن التشغيل الآلي يحد حتماً من مشاركة البشر في الإجراءات اليدوية والرتيبة من الأعمال، فأنا أعتقد أنه سيتم تعريف دور الموظفين بواسطة مجموعة مهارات متطورة وعقلية منفتحة، ويستخدم العديد منها في صقل المهارات التي ستضمن مساراً مهنياً طويلاً في مجال واحد بعينه، ولكن لا بد من ضمان فعالية هذه العقلية في المستقبل. وتقع على عاتقنا مسؤولية مشتركة لإبعاد هذه القوة العاملة عن المسارات المهنية ضيقة الأفق وتوجيهها نحو دورة حياة مهنية أكثر تطوراً.

يحتفي المجتمع الألماني "بالتعلم المستمر مدى الحياة"، وهو ما أسميه الفضول المستمر. فالتعليم لا يتوقف عند شهادة ما، والشركات المبنية على أساس طول العمر هي التي تغرس ثقافة التعلم المستمر. كما أن غريزة الإنسان تدفعه لطرح الأسئلة، ماذا وكيف ولماذا، وعلى الرغم من أن مرحلة النضج غالباً ما تعلمنا كبح هذه التساؤلات، إلا أن حب التعلم هو أمر أساسي في العالم المبتكر. آخر ما يرغب به المسؤولون التنفيذيون هو أن يعمل الموظفون كالآلات، ولذلك من الضروري أن نغذي غريزة حب التعلم لديهم. وأنا أقول بثقة أن صقل المهارات الناجح سيكون قائماً في المقام الأول على الفضول الإنساني.

ستتطلب الثورة الصناعية الرابعة منا أن نتعلم من جديد أفضل أساليب التعلم. وسيكون تعليم الجامعة التقليدي والتدريب التقني وصقل المهارات أموراً متغيرة تماماً كالأدوار التي نستعد لها. ويجب علينا نحن المسؤولين التنفيذيين الاستمرار في إجراء هذه النقاشات الهامة حول الطرق المتعددة لتعليم القوة العاملة، بما فيها تأسيس فرص التدريب المهني ومنح الأولوية لمبادرات صقل المهارات بناء على ثقافة فضول أصيلة. ويجب على الموظف الأميركي عدم انتظار مساعدة القادة له لتعلم الأمور القادمة، فهناك سبل كثيرة لتعلم نفسك التقنيات التي ستستمر بتحديد مستقبل العمل. سيساعدك الفضول الدائم في البقاء على قمة منحني التعلم وسيتيح لك الوصول إلى الفرص الجديدة في عالم الأعمال المتطور. لن يمنحك إعطاء الأولوية للاستمرار في إعادة تعليم نفسك ميزة في عالم اليوم فحسب، بل وسيضمن لك أهميتك في عالم الغد أيضاً.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2020

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!