هناك ظاهرة معروفة للجميع، وهي أن المشاعر معدية. فإذا كنت تعمل مع أشخاص سعداء ومتفائلين، فأنت على الأرجح تشعر بتلك المشاعر نفسها. والعكس صحيح، فإذا كان زملاؤك متوترين باستمرار، فأنت على الأرجح تعاني من ذلك.

كيف تتجنب التوتر السلبي؟ وهل يمكنك النأي بنفسك عن المشاعر السلبية لزملائك في العمل مع مراعاة إحساسهم؟ وهل يجب عليك إضفاء المزيد من السعادة عليهم؟

ما الذي يقوله الخبراء؟

الخبر السيئ أولاً هو أن التوتر السلبي لا مفر منه. يقول شون إيكور، المحاضر والباحث ومؤلف كتاب "ميزة السعادة" (The Happiness Advantage): "نحن نعيش في عالم شديد الترابط، ما يعني أننا أكثر عرضة للإصابة بالعدوى الاجتماعية السلبية، وذلك أكثر من أي وقت مضى في التاريخ. إن التوتر السلبي يأتي من خلال التواصل اللفظي وغير اللفظي والمكتوب، ما يعني أنه يمكننا التقاطه حتى عبر الهاتف المحمول".  لكن الخبر السار هو أننا لسنا عاجزين، تقول سوزان ديفيد، مؤسِسة معهد التدريب إنستيتوت أوف كوتشينغ (Institue of Coaching) في مستشفى ماكلين ومؤلفة كتاب "الخفة العاطفية" (Emotional Agility): "هناك العديد من المهارات المحددة التي يمكنك تعلمها، والسلوكيات التي يمكنك التمرن عليها، والتعديلات الصغيرة جداً التي يمكنك فعلها ضمن بيئتك والتي ستساعدك على التعامل مع التوتر السلبي". إليك هنا بعض الاستراتيجيات التي يمكنك تطبيقها.

حدّد المصدر

تقول سوزان إنه قبل شن الحرب على التوتر السلبي، يجب الاعتراف بأن بعض التوتر يمكن أن يكون جيداً، "لا يمكنك مزاولة مهنة ذات معنى أو تكوين أسرة أو ممارسة دور قيادي أو إجراء تغييرات ضمن مؤسسة دون الشعور بمستوى معين من التوتر". إذا كان بعض أعضاء فريقك يشعرون بالتوتر، توصي سوزان: "بمحاولة فهم ما الذي يحدث بالفعل" بدلاً من "الشعور بالتوتر نتيجة توترهم". واطلب منهم وصف ما يمرون به، تقول سوزان: "اكتشف ما إذا كانوا قلقين بشأن عبء عملهم بوصفه أكثر مما يستطيعون تحمله، أو ما إذا كانت المسألة أقرب إلى ضيق غير محدد". وتضيف سوزان: "عندما يصنّف الناس مشاعرهم بدقة، فمن المحتمل أن يحددوا مصدر توترهم وفعل شيء حيالها".

قدّم المساعدة

يمكن تفهم لماذا قد يجعلك التحدث إلى زميلك المرهق والذي يشعر بالتوتر، تشعر بالتوتر أيضاً. ولكن ما يقوله إيكور هو إنه يمكنك السيطرة على مشاعرك من خلال تعاطفك، "من خلال التعبير عن التعاطف مع قلق هذا الشخص وإشراكه بعد ذلك في محادثة إيجابية، وذلك إما لإيجاد حل لمشكلته أو لتحويل تركيزه بعيداً عنها، فنحن غالباً ما نؤثر إيجابياً عليهم بدلاً من السماح لهم بالتأثير علينا سلباً فحسب". وتوافق سوزان على أن القدرة على التأثير تسير في كلا الاتجاهين: "أنت وكل شخص آخر تبذلون أقصى ما بوسعكم مع ما أنتم عليه، وما قد حصلتم عليه، والموارد التي مُنحت لكم". لذا، فهي توصي بأن نقدم العون، اسأل زميلك، "هل هناك أي شيء يمكنني فعله لمساعدتك على الدفع قدماً بهذا المشروع؟ وهل هناك حديث يجب أن نجريه يمكن أن يقود إلى نتائج بناءة أكثر؟".

خذ قسطاً من الراحة من بعض الزملاء

يعترف إيكور إنه ليس من السهل دائماً أن تكون متعاطفاً تجاه الزميل السلبي في الشركة. فإذا شعرت أن ذلك الشخص قد بدأ يؤثر سلباً عليك، يمكنك "الانسحاب على نحو مدروس" والعمل على الحد من التواصل مع الزملاء المحرّضين على القلق. يقول إيكور: "اعزلهم" عن حياتك العملية قدر المستطاع "حتى تتمكن من النهوض بنفسك". وتؤيد سوزان تلك الفكرة، وتقول إذا كانت محادثاتك مع بعض الزملاء تميل إلى "التركيز على التوتر أو السلبية فيما يتعلق بأعمال المؤسسة"، فقد تحتاج إلى التراجع مؤقتاً، و"ميّز بين أنواع التواصل تلك التي تُعتبر غير مفيدة".

عزز روح التفاؤل

الاستراتيجية الأخرى للتعامل مع التوتر السلبي هي "إحاطة نفسك بأشخاص إيجابيين" كما يقول إيكور. يمكن أن تكون المشاعر الإيجابية معدية تماماً مثل تلك السلبية، فابذل جهداً لتعزيز التفاؤل بين جميع الموظفين أيضاً. "يقع معظم الناس في خطأ محاولة تقويم أكثر شخص متوتر وسلبي في المكتب". ولكن عوضاً عن ذلك، يوصي إيكور بالتصرف كنموذج يُقتدى به من خلال إثارة الإيجابية بين "الأشخاص في المنتصف الذين يمكن أن يميلوا إلى الإيجابية أو السلبية". من خلال القيام بذلك "سيميل السيناريو الاجتماعي" نحو التفاؤل وسيزيد من "عدد القوى الإيجابية" في مكان العمل. تقول سوزان، إنّ هدفك هو "خلق بيئة تجعل ضمنها أولئك الأشخاص الذين على الحد الفاصل" يشعرون بالثقة تجاه المؤسسة. فأنت لا ترغب في تشكّل حالة حيث "توتر شخص واحد هو الصوت الوحيد المسموع في الغرفة".

تذكر الصورة الأشمل

حتى لو كانت وظيفتك يسهل التحكم فيها، إلا أنه يمكن أن تصبح بسرعة مصدراً للقلق "إذا كان كل شخص آخر من حولك متوتراً" ويصرحون عن مشاعرهم تلك، وفقاً لسوزان. وتقول: "يستمر الناس غالباً بالتحدث عن أهدافهم التي ’يجب‘ تحقيقها، فمثلاً، ’يجب أن أذهب إلى هذا الاجتماع، أو يجب أن أكون متاحة عند اتصال هذا العميل‘". ويُنظر إلى التذمر بشأن قائمة المهام الكبيرة التي تلوح في الأفق كوسام شرف، وكثيراً ما يتبع ذلك شكوى، ولكنّ تقول سوزان، يُعتبر ذلك أمراً خطيراً. إنّ تصنيف عبء عملك بهذه الطريقة "يُنشئ سجناً من حولك"، وهي توصي بتحويل أهداف "الواجب" إلى أهداف "الرغبة"، على سبيل المثال، "قل لنفسك، أنا أقدّر التعاون، وأريد حضور هذا الاجتماع لأنه يسهّل ذلك، أو أنا أقدّر توفير منتج عالي الجودة لعميلي، لذا أريد أن أكون متوفراً في أجل هذا الاتصال،  يُعتبر هذا تكتيكاً فعالاً لإعادة تنظيم الأفراد المتضررين بسبب التوتر السلبي" كما تقول سوزان. إذاً، فكر في "أهدافك المهنية" و"اربط التزاماتك بأمر إيجابي".

اعتنِ بنفسك (وساعد الآخرين على فعل الأمر نفسه)

إحدى أفضل الطرق لتجنب التوتر، سواء المباشر أو غير المباشر، هو الاعتناء المثالي بالنفس،  فإنّ تناول الطعام الصحي، وممارسة الكثير من التمارين الرياضية، والنوم جيداً، تُعتبر من الأمور الضرورية  للحفاظ على مسافة آمنة بينك وبين التوتر. يقول إيكور، وكذلك، مزاولة الشعور بالامتنان، "قد يبدو التفكير في الأمور التي تشعر تجاهها بالامتنان فكرة بالية، لكنها تمنحك مخزوناً من الجوانب الإيجابية تساعدك على موازنة السلبيات التي لا بد وأنك ستمر بها". ويضيف، الأهم من ذلك، يجب عليك مشاركة ما تعلمته. ويقول إنه غالباً ما يُصاب بالذهول من عدد القادة الذين يخبرونه "بأنهم يدوّنون تجاربهم الإيجابية أو يمارسون اليوغا أو يتأملون، إلا أنهم لا يذكرون ذلك أبداً لأعضاء الفريق نفسه الذين يحاولون تحفيزهم". يقول إنّ ذلك يُعتبر مهزلة، "إذا كان لديك عادة إيجابية وتنجح معك، فأخبر الجميع".

مبادئ عليك تذكرها

ما عليك فعله:

  • أظهر التعاطف مع زملائك الذين يشعرون بالتوتر، وبدلاً من الانفعال، اسأل كيف يمكنك تقديم المساعدة.
  • أحط نفسك بأشخاص إيجابيين للاستفادة من ثقتهم وتفاؤلهم وشعورهم بالسعادة.
  • انسحب على نحو مدروس بعيداً عن الزملاء السلبيين عند الضرورة.

ما عليك تجنبه:

  • محاولة تقويم أكثر أﻓاد اﻟﻔ شعوراً بالقلق، عوضاً عن ذلك، كن نموذجاً للتفاؤل والإيجابية.
  • الوقوع في فخ الاستماع إلى تذمر الآخرين حول قوائم "واجباتهم" المجهدة، عوضاً عن ذلك، اربط عملك بقيمك وتذكر الصورة الأشمل.
  • السرية بشأن عاداتك الإيجابية، عوضاً عن ذلك، اعتن بنفسك وشارك استراتيجياتك.

دراسة حالة رقم 1: ادعم فريقك وعزز روح الإيجابية بين جميع الموظفين

تقول غلوريا لارسون، الرئيسة السابقة لكلية بنتلي (Bentley College)، إنها كانت دائماً شخصاً "متفائلاً إلى حد قد يثير السخرية". تقول: "بالنسبة لي، يكون 90% من الكأس ممتلئاً". لكن بالطبع، أشعر بالتوتر عندما تكون الأمور صعبة، كما أنني لست محصنة ضد آثار توتر الآخرين".

قبل سنوات مضت، تطوعت غلوريا عندما كانت تعمل محامية في مكتب فولي هوغ (Foley Hoag) في بوسطن لترأس لجنة مسؤولة عن بناء قصر المؤتمرات في ماساتشوستس (Massachusetts Convention Center)، وهو مشروع بناء بقيمة 800 مليون دولار على امتداد واجهة بحرية. وخلال بداية حياة المشروع، عقدت مؤتمراً صحفياً ادّعت خلاله أنّ المشروع سيُسلم "في موعده وضمن الميزانية المحددة له".

ثم ظهرت صعوبات أمام المشروع، شملت تجاوزات كبيرة في التكاليف. تقول غلوريا: "كان الأمر فضيعاً، وقد كُتب عن ذلك على الصفحات الأولى في صحيفتي بوسطن غلوب (Boston Globe) وبوسطن هيرالد (Boston Herald)، نظرت حولي نحو أعضاء مجلس الإدارة وغيرهم من كبار القادة، واستطعت أن أشعر بتوتر الفريق".

كانت غلوريا عازمة على إبعاد أي توتر سلبي، ومن أجل مساعدة زملائها الذين يشعرون بالقلق، تقول: "كنت أعلم أنني يجب أن أمكّن أولئك الأشخاص الذين يحتاجون إلى إثبات وجودهم يوماً بعد يوم، وأردتهم أن يعلموا أننا كنا فريقاً وأنني قدمت لهم الدعم".

كانت خطوتها الأولى هي التحدث إلى فريقها، كمجموعة أو كأفراد، حول ما كانوا يمرون به. وتقول: "لقد تحدثنا حول الأسباب التي تثير مشاعر التوتر والضغط حول العمل على المشروع، وبعد ذلك ناقشنا الحلول الممكنة".

وحرصت غلوريا على دعم وتشجيع الآخرين الذين عملوا على المشروع، بمن فيهم خبراء التصميم وعمال البناء والمهندسين المعماريين، "أمضيت الكثير من الوقت في الذهاب إلى الموقع، وارتداء خوذة واقية، وإخبار الموجودين هناك بأنّ عملهم رائعاً".

عملت غلوريا طوال المشروع على تذكير نفسها بالصورة الأشمل، وتقول: "كنت متحمسة للغاية بشأن المشروع لدرجة شعرت وكأنه نداء الواجب، ذلك الهدف الملهم جعلني أشعر أنني بحالة جيدة، حتى عندما كان التوتر في أوجه".

وأشادت بمزايا تفاؤلها لفريقها المتوتر جداً، وتقول: "يمكن أن تكون الحالة الإيجابية معدية تماماً مثل التوتر السلبي، فعندما ساءت الأمور، حاولت اتخاذ نهج، يمكننا فعل ذلك‘".

واعتنت غلوريا بنفسها جيداً خلال تلك الأيام العصيبة، وهي تعترف: "أتهرب من ممارسة اليوغا والتأمل، لكنني أمارس الرياضة كثيراً". وباعتبارها تمتلك ثلاثة كلاب لابرادور ريتريفر (Labrador Retrievers)، تضيف أنها من أشد المؤمنين "بقدرة الحيوانات على المساعدة على التخلص من التوتر".

دراسة حالة رقم 2: حاول العثور على مصدر توترك وشارك أساليبك في الحد من التوتر

تقول مي شو، المؤسسة المشاركة والرئيسة التنفيذية لشركة تشسابيك بيي كاندل (Chesapeake Bay Candle)، إنّ التوتر المباشر وغير المباشر هما مصدر قلق دائم. "تضغط الاتجاهات الاقتصادية باستمرار على قطاعي التجزئة والاستهلاك من أجل عمل المزيد وعلى نحو أسرع وأفضل، ومن المألوف بالنسبة لأعضاء الفريق، بمن فيهم أنا، المكافحة من أجل مواجهة هذه التحديات".

تستذكر مي الشعور بالقلق على نحو خاص بعد أن عينت مديرة جديدة للمنتج، والتي سندعوها كاتيا. كانت كاتيا موهوبة جداً ولكن لم يكن لديها سوى بضع سنوات من الخبرة. وبعد انضمامها إلى الشركة بوقت قصير، بدأت تبدو متوترة خلال تواصلها الفردي مع مي وخلال اجتماعات الفريق.

ذكرت مي ما لاحظته أمام مشرف كاتيا المباشر، ووافقها على ذلك. وتستذكر قائلة: "شعر كلانا أنّ إحساسها الدائم بالتوتر قد بدأ يؤثر على الجو العام لمكان العمل"، لذا اتخذوا إجراءات "بأسلوب داعم وشفاف".

أولاً، استفسرت مي من كاتيا عما كانت تمرّ به. واعترفت كاتيا أنّ الكثير من سبب شعورها بالتوتر كان نتيجة افتقارها إلى الخبرة. توضّح مي قائلة: "لقد أرادت حقاً أن تنجح في عملها في شركتنا، ولكن كانت هذه أول وظيفة كبيرة تشغلها، وشعرت بالتوتر لأنها لم تكن واثقة تماماً من نفسها".

بعد ذلك، حاولت مي التخفيف من مخاوفها، وتقول: "أردت أن أساعدها على الاسترخاء واكتساب الثقة". وحددت مي بعض الفرص التي تستطيع كاتيا من خلالها بناء ثقتها، على سبيل المثال، طلبت مي من كاتيا أن تقدّم عرضاً تقديمياً داخلياً الذي تساعدا على وضعه سوياً.

وأخيراً، شاركت مي أساليبها الخاصة للحد من التوتر و"موازنة آثار شعور كل عضو من أعضاء الفريق بالقلق" مع كاتيا وباقي أعضاء الفريق. وقد شمل ذلك الاستعانة بتطبيقات تساعد على التمتع بالصحة الجيدة والوعي التام، والسير لمسافات طويلة في الهواء الطلق، وربما ليس من المستغرب، إشعال الشموع ذات الزيوت العطرية المهدئة. "هدفي هو تشجيع أعضاء الفريق على أخذ استراحات عندما يشعرون بالإرهاق أو التوتر، حتى لو كان ذلك لبضع لحظات فقط، وذلك للحصول على رؤية أوضح واستعادة النشاط".

تقول مي إنه عندما اكتسبت كاتيا خبرة أكبر، بدأت تشعر بأمان أكبر وتوتر أقل، "على مدى الأشهر القليلة التالية، بدأت تبدو أكثر ارتياحاً في أرجاء المكتب، وكان لذلك تأثير كبير على معنويات الفريق".

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!