تعتبر الثورة الصناعية الرابعة ثورة شاملة شأنها شأن الثورات الصناعية السابقة، فعلى الرغم من تأثيرها المباشر على قطاع الأعمال إلا أن ذلك لا يمنع انعكاس تأثيرها ليشمل كافة نواحي الحياة، إذ ستغير كثيراً من الأنماط والعادات القديمة. لذا هناك حاجة لآلية فكرية مبتكرة لإعادة صياغة أساليب التعلم والعمل للتعامل مع الأوضاع الجديدة.

عرّف تقرير استراتيجية الإمارات للثورة الصناعية الرابعة هذه الثورة بأنها: "ثورة تدمج كل من التقنيات المادية والرقمية والحيوية لإنتاج خدمات ومنتجات غير مسبوقة في قطاعات جديدة". وقد حدد التقرير أبرز خصائص هذه الثورة والتي وصفها بأنها ستكون متسارعة وبنطاق واسع وبتأثير كبير، ما يسبب تحول كبير في الأنظمة والإجراءات وينشأ عن هذا كله: تعقيد أنشطة بيئة العمل بسبب طمس وإزالة الحدود بين العوالم المادية والرقمية والحيوية. ولا يمكن أن نعرف تحديداً ما ستفرزه هذه الثورة من مجالات وقطاعات جديدة، لكننا نستطيع تحديد الإطار العام لها عبر معرفة أهم خصائصها وطابعها المميز للعمل على تمكين أكبر عدد من الأفراد من الإحاطة بمختلف جوانبها من أجل احتواء التغييرات التي ستطرأ ليستعدوا لها بكفاءة.

وتتطلب الثورة المقبلة استعداداً كبيراً وبأدوات غير تقليديه للعمل على تطوير قدرات الإنسان الفكرية والذهنية لتكون بمستوى التغيير القادم، ما يتطلب توفر طريقة تعلم متقدمة تطور الفكر ليواكب التطور. وبما أن التغييرات ستكون متسارعة. فالحاجة لمنهجية تعلم تحيط بأبعاد نموذج الأعمال المستقبلي ستكون على أشدها لتوفر الأساس المناسب للأفراد للتعامل مع المستجدات عبر توليفة أدوت وتقنيات تساعد في تشكيل إطار شامل من المهارات يحيط بجوانب ثورة الأعمال المقبلة. فليس كافياً معرفة اختصاص واحد لتلبية متطلبات المستقبل بسبب اندماج وتداخل القطاعات وما سينتج عنه من ظهور قطاعات هجينة تكون بحاجة لتعلم المهارات بمنهج متعدد الأبعاد والأوجه وهذه الاوجه تحددها الجوانب الرئيسة المميزة لهذه الثورة.

المهارات الأساسية لثورة الأعمال المستقبلية

امتلاك المهارات الاساسية لجوانب ثورة الأعمال المقبلة سيكون كفيلاً بمساعدة الأفراد على التنقل بين مختلف وظائف الأعمال وهذا ممكن عبر منهجية إطار عام تجتمع فيها أسس مجالات نموذج الأعمال المستقبلي وهي المجالات الرقمية والمادية والحيوية وباعتماد الابتكار كمنهج شامل. وأكد "دليل نستا لتعلم الابتكار" على أهمية توفر محتوى ومنهجيات لتعلم الابتكار، حيث تم تصنيف منهجيات الابتكار ضمن أربع مساحات وهي: الذكاء والحلول والتكنولوجيا والموهبة، والمنطقة التي تتقاطع فيها هذه المساحات تضم مهارات: التفكير التصميمي والنمذجة والتفكير المنهجي وتصميم تجربة المستخدم والتحول الرقمي والتصميم محوره الإنسان وغيرها، فهذه المهارات حسب الدليل يمكن أن تجعل الابتكار أسلوب عمل شامل.

وفي استطلاع خاص عن استعداد مؤسسات الأعمال في منطقة الشرق الأوسط للثورة الصناعية الرابعة والصادر عن شركة برايس ووترهاوس كوبرز (PWC) فقد ذكرت نتائج الاستطلاع أنه ومع أهمية قدرات تحليل البيانات القوية، إلا أنّ هناك مجموعة مهارات سيحتاجها عالم الثورة الصناعية الرابعة وهي: التصميم الرقمي المبتكر للاستراتيجيات والبنية والتصميم التقني وتصميم تجارب المستخدمين وقدرات أسرع في تطوير النماذج الأولية. إذاً، لن تكون الحاجة فقط للمهارات الرقمية المعروفة كونها ستكون الطابع العام بل إن التعاطي مع هذه المتغيرات ضمن هذا الطابع سيكون أمراً أوسع من ذلك، فالاستعداد الجيد يتطلب تعلم مهارات ترفع كفاءة التفكير والتعاون والتواصل ضمن الإطار الرقمي للتكيف والاندماج بنجاح بعالم الأعمال المستقبلي.

الحاجة لوجود منهج شامل للمهارات المستقبلية

لن تنقرض الوظائف في المستقبل بسبب الأتمتة وما ينتج عن ذلك من استحواذ للروبوتات على نسبة كبيرة من الوظائف وزيادة معايير التنافسية والطلب على المهارات المتقدمة. كل ذلك سيضيف تعقيدات في بيئة العمل، وهذا الأمر بحاجة لمنهجية تعلم موحدة لتكون بمثابة فضاء فكرياً ومرجعاً لبناء المهارات المتقدمة لتساعد في وضع السياسات الخاصة بتنظيم بيئة العمل المستقبلية. إذ ستحمل ثورة الأعمال المقبلة الكثير من الفرص والوظائف، وفي المقابل، سيكون هناك أفراد غير مؤهلين لشغل تلك الوظائف، فمن المتوقع حدوث فجوة كبيرة في المهارات، حيث ستتوفر عشرات الملايين من فرص العمل لكنها تخص أصحاب المهارات الرقمية المتقدمة، بالتالي سيتطلب الأمر تميكن الأفراد من امتلاك مهارات متقدمة للتعامل مع المستجدات من خلال رفع مستوى مهارات الأفراد الفكرية وتحسين قدراتهم بتوسيع مدارك الفهم والتعلم ولتمكين الأفراد من التواصل والتعاون بشكل يواكب المتغيرات والأوضاع الجديدة التي سيفرضها عالم المستقبل. إنّ عالم اليوم والمستقبل بحاجة لرفع مستوى التفكير والإدراك لدى الأفراد ليكونوا بمستوى التحديات والتعقيد الذي سيجلبه عالم الأعمال المستقبلي، وذلك من أجل إيجاد فرص عمل والتنقل بين وظائف الأعمال بمرونة وحرية.

حاجة بيئة الأعمال المستقبلية لآلية تواصل مشتركة

قد يكون أهم ما يحتاجه عالم الأعمال المستقبلي هو وجود لغة أو آلية مشتركة للتواصل والتفاهم، وذلك في بيئة العمل المقبلة التي سيكون روادها هم المحللون والمصممون والمبرمجون والتقنيون، بالإضافة إلى المستفيدين الذين سيكونون بحاجة لترجمة أفكارهم ورغباتهم إلى تصاميم بلغة يفهمها المبرمجون والتقنيون. فهم بحاجة للتواصل لكن بشكل مختلف يواكب بيئة الأعمال المقبلة. وذلك من خلال فهم طبيعة المستخدمين لتلبية حاجاتهم ببناء الحلول وقياسها على أرض الواقع. وفي تقرير لمنظمة الأمم المتحدة يتناول منهجية التفكير التصميمي باعتبارها منهجاً يساعد في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، حيث ذكر التقرير أن النمذجة التي "تمنح أفكارنا الحياة" تساعد في تصور الحاجات وتمثيلها بحلول حقيقية. لذلك، فإن وجود طريقة تعلم مشتركة لنمذجة التصاميم الرقمية تسهل على كافة الأطراف مناقشة الأفكار بطريقة تلبي حاجات عالم الأعمال المستقبلي. فمن الصعب الاندماج في بيئة عمل يهيمن عليها الطابع رقمي بمعزل عن فهم موسع لآلية التطوير الرقمية، حيث ما يحتاجه المستقبل هو فهم أسس النمذجة الرقمية عبر منهجية وآلية تجمع مهارات التفكير والتعاون والتواصل بالمهارات الرقمية بالاعتماد على إعادة صياغة الكائنات لتطوير الحلول. وذلك عبر وضع الكائنات أياً كانت بإطار كائني ليسهل عملية التعديل على الخصائص والوظائف التي يمكن أن يقوم بها الكائن لإشباع حاجات ورغبات المستفيدين ليقدم بذلك حلولاً حقيقة لواقعنا. ومعرفة هذه المهارات مهم لإعادة صياغة أساليب العمل لجعل التكنولوجيا إطاراً شاملاً لكافة المجالات ولتؤسس لعصر جديد من المهارات المتقدمة.

لغة النمذجة الموحدة (UML) مثال على الآلية المقترحة

هي لغة عامة "معتمدة لترميز العمليات البرمجية وتساعد في التقاط الأفكار ووضعها على ورقة". تغني عن الوصف اللغوي وتستخدم رموزاً خاصة لإنتاج نماذج التطوير البرمجي وهي شبيهة بمخططات البناء التي يتبادلها مهندسو البناء والمعماريون والتي يمكن لأي كان في هذا المجال أن يفهمها ويتعامل معها ومن ضمنهم المستفيدين وذلك لتطوير الحلول في مختلف مجالات الأعمال. كما تمكن الأفراد أياً كانوا من التخاطب مع المبرمجين والمطورين لإيصال الأفكار ومناقشتها بشكل واضح وعملي.

وتضم ثمانية مخططات رئيسية وهي: واقعة الاستخدام والصنفيات والتعاون والتتابع والحالة والتحزيم والمكونات والتجهيز. تساعد هذه المخططات العاملين على الاهتمام بجوانب محددة ضمن فرق العمل وتعزز من التعاون والتنسيق بين أفراد الفريق، حيث يقدم كل مخطط من هذه المخططات مستوى مختلف من التفاصيل لتساعد في تناول الأمور والمسائل من زوايا متعددة وبصيغ ثابتة وهذه المخططات بحد ذاتها قد تكون عناوين لوظائف مستقبلية كونها تحمل خصائص مشابهه لكثير من عناوين وظائف المستقبل. وتدعم هذه المخططات -وباعتماد العصف الذهني- الأفراد لتنمية مهارات التفكير الإبداعي أو التفكير خارج الصندوق، من خلال تناول الأمور والمسائل من زوايا مختلفة وأثناء مراحل ومستويات التطوير، حيث تقدم لكل فرد منظراً مختلفاً وبحسب موقعه لجوانب منظومة العمل.

وهذا الأمر يوسع مدارك الفهم والتعلم لدى الأفراد، ويجعل التواصل فعالاً في بيئة العمل الرقمية لرفع كفاءة الأفراد. وتساهم كذلك في زيادة مستوى التنسيق للعاملين، من خلال تحديد الأدوار بدقة كبيرة سواء كانوا محللين أو مصممين أو مبرمجين أو مستفيدين، فهي منهجية عمل ولغة تواصل في آن واحد، وملائمة لبيئة العمل المستقبلية. تعتمد هذه اللغة استراتيجية المنحنى الكائني لتقدم الصياغة المناسبة لكيفية تعاون الكائنات على أرض الواقع وتنفيذ أنشطتها، وتعاقب الأنشطة والأسبقيات. وبهذا تمثل لغة النمذجة الموحدة إطاراً شاملاً، يدمج جميع المهارات السابقة ويكاملها، ليقدم مثالا عن آلية مناسبة يمكن أن تغطي أبعاد نموذج أعمال الثورة الصناعية الرابعة لما يمكن أن توفره في ظل أهم المهارات المطلوبة مستقبلاً.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!