تلقيت في الربيع الماضي دعوة لحضور حفل زفاف أحد الأصدقاء في باريس. بينما كانت السعادة تغمرني لصديقي، خطر ببالي فكرتان مقلقتان جداً: لن يكلفني السفر إلى باريس مبلغاً كبيراً من المال فحسب، بل إنه سيستغرق معظم وقت إجازتي المحدود.

قررت عدم حضور حفل الزفاف، ولكنني عانيت في الطريقة التي أخبر من خلالها صديقي بذلك. هل أقول له ببساطة لن أستطيع الحضور؟ هل أخبره أنني لا أملك وقتاً كافياً في الإجازة أو المال الكافي للسفر؟ ما هي الطريقة الأفضل كي لا أجرح مشاعره أو يبدو الأمر وكأنني لا أقدِّر صداقتنا؟

عادة ما تتطلب المناسبات الاجتماعية التي يقوم الأصدقاء والزملاء بدعوتنا إليها استثمار الوقت أو المال أو كليهما. وبالتالي تكون هذه الأمور بمثابة الأعذار التي نلجأ إليها في أغلب الأحيان عندما لا نستطيع حضور مناسبة ما. ولكننا نعلم قدراً ضئيلاً على نحو مدهش من الأبحاث التي تتناول نظرة الآخرين إلى هذا التواصل، وكيف تؤثر أعذارنا على علاقاتنا.

قررت مع زميلاتي آشلي ويلانز وميشيل نورتون وآن ويلسون أن نقوم بدراسة هذه الآثار من خلال تحليل بيانات محادثات حقيقية على تويتر وإجراء ثلاث تجارب مخبرية. وتظهر النتائج أن إعطاء عذر عن عدم امتلاك الوقت الكافي يمكن أن يضر بالعلاقات، بينما يمكن أن يؤدي إعطاء عذر حول عدم امتلاك القدر الكافي من المال على مساعدتها.

كيف يتجاوب الأشخاص مع أعذارنا؟

تضمن الجزء الأول من دراستي تحليل المحادثات بين المستخدمين على تويتر. وطوال فترة أسبوع في عام 2018، قمت بسحب التغريدات الموجهة إلى أشخاص معينين والتي احتوت على العبارة "لا أملك مالاً" أو "لا أملك وقتاً"، فأعطتني مجموعة بيانات إجمالية تبلغ 2,310 تغريدة، مع أن أكثر من نصفهم بقليل يتواصلون لفترة محدودة. إحدى الطرق التي يمكن للمستخدم المقصود من خلالها الرد تكمن في "الإعجاب" بالتغريدة. ووجدت أن مستخدمي تويتر كانوا أقل ميلاً إلى "الإعجاب" بتغريدة حول عدم امتلاك الوقت مقارنة بالتغريدات حول عدم امتلاك المال. استمر هذا التأثير حتى مع ضبط العوامل الأخرى، مثل عدد متابعي الشخص ومدى نشاطه على تويتر.

وهذا ما أثبت لي بشكل أولي أن الناس يتجاوبون على نحو مختلف مع الرسائل حول عدم كفاية المال والوقت. ولكن المحادثات على تويتر قد تكون غير شخصية وبين غرباء، فماذا يحدث بين الأصدقاء والزملاء؟

لاختبار ذلك، قمت بتوظيف عينة من 327 عريساً وعروساً يعيشون في الولايات المتحدة ممن يخططون لزواجهم وأرسلوا دعوات لحضور حفل الزفاف. سألتهم عن عدد الضيوف الذين ألغوا الدعوة لعدم توفر المال أو الوقت الكافي. فأشار المشاركون إلى أنهم استلموا بالمتوسط اعتذارين بسبب المال واعتذارين بسبب الوقت كاستجابة لدعوتهم (وتحجج الناس بأسباب أخرى أيضاً)، بما يوحي أن هذه الأعذار شائعة على نحو متساوٍ.

وطلبت من الأزواج أيضاً أن يعبروا عن شعورهم عن مدى قربهم من الأشخاص الذين لم يلبوا دعوتهم مؤخراً لأسباب تتعلق بالمال أو الوقت، وأردت معرفة مدى قربهم قبل هذا الرفض وبعده. فقالوا إنهم كانوا يشعرون بقرب متساو من هؤلاء الضيوف قبل استلام الرد، وبعد الرد شعروا أن علاقتهم أقل قرباً بشكل ملحوظ من الضيوف الذين أشاروا لضيق الوقت مقارنة بأولئك الذين أشاروا إلى محدودية المال.

لماذا يتسبب إيجاد العذر لأنفسنا عن فعل شيء ما نظراً لقلة الوقت في شعور الناس أنهم أقل قرباً منا؟ ولاختبار ذلك قمنا بتوظيف عينة مكونة من 300 موظف بالغ وجعلناهم يتخيلون سيناريو يقومون خلاله بدعوة أحد الأصدقاء للخروج معه لتناول طعام العشاء، ويقوم ذلك الصديق برفض الدعوة. بعض المشاركين علموا أن صديقهم ألقى اللوم على الانشغال ("عذراً، ليس لدي متسع من الوقت")، بينما علم آخرون أن صديقهم ألقى اللوم على المال ("عذراً، لا أملك المال")، والبعض الآخرون لم يتلقوا أي عذر على الإطلاق. ثم سألنا المشاركين عن كيفية شعورهم تجاه هذا الصديق بعد سماع إجابته، وفيما إذا وثقوا بهذا الصديق وصدقوا أن لديه عذراً جيداً. وسألناهم أيضاً عن توقعاتهم حول مدى التحكم الذي يملكه أولئك الأصدقاء بالوقت والمال لاستخدامه بشكل عام.

وفيما يتعلق بعدم تلقي أي عذر، وجدنا أن عذر الوقت تسبب في شعور المشاركين بقرب أقل من الصديق، بينما تسبب عذر المال بالشعور بالقرب الكبير على نحو ملحوظ من الصديق. ووجد المشاركون أن عذر المال أكثر موثوقية من عذر الوقت أو عدم استلام عذر، ويعود ذلك جزئياً إلى تصديقهم أن الصديق لم يكن لديه سيطرة شخصية على الأرجح على الظروف التي ذكرها كعذر.

ويبدو أننا نعتقد أن الآخرين يجب أن يتحكموا بوقتهم على نحو أكبر، فنحن نعتقد أن عليهم إيجاد الوقت لفعل أشياء في الحياة يريدون فعلاً أن يفعلوها. لذا، فإننا نميل إلى عدم الوثوق بعذر عدم امتلاكهم للوقت الكافي لتخصيصه لنا، وهذا يؤثر في نهاية المطاف على الطريقة التي نشعر من خلالها بمدى قربنا منهم.

يبدو ذلك بديهياً، أليس كذلك؟ غير أن الأمر المثير للاهتمام هو أننا في أغلب الأحيان لا ندرك ذلك عندما نقوم نحن باختلاق الأعذار، وهو ما قد يفسر سبب إلقائنا اللوم على ضيق الوقت كثيراً. في تجربة رابعة، وجدت أن الناس يصدقون أن الإشارة إلى محدودية الوقت ستبدو موثوقة أكثر، وسيُنظر إليها باستحسان أكبر، مقارنة بما هو عليه الأمر في الحقيقة. طلبنا من 808 أشخاص المشاركة في حوار حول التبرع لمؤسسة خيرية. طُلب من نصف المشاركين الحديث، وطُلب من النصف الآخر الاستماع. وطلبنا من نصف المتحدثين القول أنهم سيتبرعون للمؤسسة الخيرية لو كان لديهم المزيد من الوقت، وقال النصف الآخر أنهم سيتبرعون لو توفر لديهم مال أكثر. ثم قرر المشاركون المستمعون كيفية تقسيم مجموعة من المهمات فيما بين مجموعتي المتحدثين، بعضها صعبة وبعضها سهلة. ووجدنا أن المشاركين الذين استمعوا إلى عذر المال أعطوا لشركائهم مهمات أكثر سهولة من المشاركين الذين استمعوا إلى العذر بشأن الوقت. وكان هذا الفرق نظراً لاعتبار المشاركين لأعذار المال على أنها أقل سيطرة على الصعيد الشخصي وأكثر موثوقية. إلا أن الأشخاص الذين قدموا الأعذار لم يتوقعوا هذه الاختلافات.

إذا أردنا إدارة وقتنا ومالنا بكفاءة، وهما الموردين الأكثر شحاً والأعلى قيمة في الحياة، نحتاج إلى أن نكون قادرين على قول "لا" للأمور المختلفة. ولكن إذا أردنا أن نحافظ على علاقاتنا، علينا أن نفعل ذلك بالطريقة الصحيحة. تشير نتائجي إلى أننا عندما نرفض دعوة شخص ما لأننا لا نملك الوقت الكافي، يعتقد ذلك الشخص أننا لا نقدره. وهذا يجعله يشعر أنه أقل قرباً منا وأقل استعداداً على مساعدتنا في المستقبل. لذا قد يكون من الحكمة الإشارة إلى أنك لا تمتلك المال الكافي (على افتراض أن ذلك صحيح)، حيث أنّ الناس أقل ميلاً إلى التساؤل بعدها عن مدى تقديرك للعلاقة. وبدلاً من ذلك، سيرونك كشخص صادق وموثوق به، ما سيولد المزيد من المشاعر الإيجابية والنوايا الطيبة.

وبالطبع، توجد ظروف قد يكون فيها عذر المال غير مناسب (على سبيل المثال، في تواصلك مع المرؤوسين)، حيث وجدت في هذه الحالات في دراسة أخرى (كان حجم العينة 300 شخصاً) أن الأكثر فعالية هو الرفض من خلال القول أن "لا طاقة لدي" بالمقارنة مع "لا أملك المال"، لأن الناس ينظرون إلى الطاقة على أنها شيء يمكن السيطرة عليه بقدر أقل من الوقت.

عندما اضطررت إلى رفض الدعوة لحفل زفاف صديقي، أجبت بشكل قطعي أنني لا أملك الوقت الكافي للسفر إلى باريس. كانت الأمور جيدة بيننا لفترة من الزمن، لكن نظراً للدليل الذي اكتشفته، حرصت على الاتصال به ومراسلته بالرسائل النصية مراراً وتكراراً للاطلاع على مجريات حفل الزفاف. بكل تأكيد ستكون ثمة لحظات نحتاج فيها ببساطة إلى تجاهل دعوة ما لأننا لا نمتلك الوقت الكافي. ولكن من المهم الإدراك أن العلاقة ستتطلب المزيد من الرعاية حتى تتعافى، وربما تحتاج إلى إيجاد بعض الوقت لفعل ذلك.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

آخر المقالات

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!