كيف يمكن أن تدرك أي مؤسسة ما إذا كانت تستغل البيانات الدقيقة في اتخاذ القرارات الصحيحة والتي تصب في صالح المؤسسة، أم أنها تستخدم تحليلات سطحية فقط لتبرير القرارات التي اتخذتها المؤسسة بالفعل؟

تستخدم المؤسسات تحليلات البيانات على نحو تقليدي، كأداة كل مهمتها استعراض الأحداث والخطوات الماضية، عن طريق الإجابة عن أسئلة من نوعية: "هل وصلت هذه الحملة التسويقية إلى الجمهور المنشود؟"، أو "من هم عملاؤنا الأعلى قيمة خلال تجربة العام الماضي؟"، أو "هل بلغت نسبة المشاركة ذروتها على فترات منتظمة خلال اليوم أو الأسبوع؟". وتكون الإجابات عادة مبنيّة وفقاً لأدوات القياس، أو مؤشرات الأداء الرئيسة، مثل معدلات النقر على الروابط والتكلفة لكل ظهور والنقاط الإجمالية للتصنيف والتي عادة ما تتخذ الشركات بشأنها قرارات متأخرة جداً في العملية.

وعلى الرغم من أن هذه التحليلات التي يمكن تسميتها بـ "الوصفية"، أي التحليلات التي تقيس ما حدث بالفعل، مهمة بشكل لا يمكن إغفاله، إلا أنها تُعد حلقة واحدة في سلسلة ممتدة للاعتماد على البيانات في اتخاذ القرارات للمؤسسات. ففي المؤسسات التي تحركها البيانات بالفعل، لا يتم انتقاء مؤشرات الأداء الرئيسة اعتباطاً، ولكن يتم وضعها في بداية عملية اتخاذ القرار. وبتعبير أدق، هي ليست مؤشرات الأداء الرئيسة لإحدى المؤسسات بالشكل المتعارف عليه، ولكنها أسئلة العمل الرئيسة – التي تُعد مؤشرات الأداء الرئيسة امتداداً لها – وتمثل حجر الزاوية لنجاحها.

توصل أندرو مكافي وإريك برينجولوفسون إلى نتيجة مشابهة في مقالهما عبر هارفارد بزنس ريفيو بعنوان "البيانات الضخمة: الثورة الإدارية"، حيث كتبا: "لم يتحقق نجاح الشركات في عصر البيانات الضخمة لمجرد امتلاكها بيانات أكثر أو أفضل، ولكن لأن لديها فرق عمل قيادية تحدد أهدافاً واضحة، وتعرف كيف تحقق النجاح، وتطرح الأسئلة الصحيحة".

وعلى الرغم من أهمية الأسئلة الصحيحة، فإن الوصول إليها أمر يسير قولاً وليس فعلاً، حيث يجب أن يمتد أي تحقيق إلى ما وراء "ماذا تقول البيانات؟".

في الوكالة التي أعمل بها، تُنتَج أسئلة العمل الرئيسة من عملية صارمة تتكون من أربع خطوات، تجبرنا على الاستفادة من البيانات خلال مراحل التخطيط لحملاتنا التسويقية. وعلى الرغم من أن التطبيق المخصص لهذه العملية قد يختلف قليلاً من قطاع لآخر، إلا أن هذه العملية تقدم نموذجاً قابلاً للتطبيق بدرجة عالية لنشر تحليلات البيانات بأسلوب استباقي وتحويلي، يرشدك إلى اتخاذ القرارات بدلاً من تبريرها.

الخطوة الأولى: حدد هدفك

في البداية، لا بد أن تبذل المؤسسة جهوداً متضافرة عند بداية كل دورة تخطيط، لإشراك المعنيين من كل جوانب العمل في مناقشة واسعة النطاق لتحديد هدف الحملة. وتبدأ هذه الخطوة بالتركيز بشكل منهجي على التحديات التي تسعى المؤسسة إلى حلها. فهل تحاول تحسين تصنيف إرضاء العملاء؟ هل تسعى لكسب ولاء مجموعة محددة من العملاء على المدى الطويل؟ هل تسعى لزيادة عدد المنتجات التي يتم شحنها من مستودع معين؟

لا تتردد في إعادة النظر والتحقيق في وضعك الحالي، والتخلص منه تدريجياً في الوقت المناسب. فإن تحقيق مؤسستك لأقصى قدر من مشاهدات الصفحة على الموقع الإلكتروني أو وسائل التواصل الاجتماعي لا يعد في حد ذاته سبباً مقنعاً لوضع هدف آخر متجدد لتحقيق أقصى قدر من مشاهدات الصفحة، وإنما قد تجد أسباباً وأهدافاً أخرى، لذلك ارجع خطوة إلى الخلف وافحص المشهد (داخلياً وخارجياً) وتدبّر بعناية الاعتبارات التي حددت أهدافك وفقاً لها.

الخطوة الثانية: تعمق في البيانات

 بمجرد أن تحدد المؤسسة هدفها، ينبغي عليها إجراء مسح شامل لما تعلم أنه صحيح بالفعل. وهذه هي المرحلة التي يجب على المؤسسة أن تُجيب فيها عن السؤال الآتي: "ماذا تخبرنا البيانات؟"، لذلك يجب القيام بهذه الخطوة بعقلية تطلعية واضحة. وفي هذه المرحلة من العملية، يجب ألا تهتم المؤسسة كثيراً بالتقييم، ولا تعير اهتماماً كبيراً لتبرير القرارات السابقة. وإنما يجب أن تصب مجمل اهتمامها على كيفية تأثير البيانات على فهم ما قد يحدث في المستقبل.

تُعد الخطوة الثانية، مثل سابقتها، تعاونية للغاية، ويجب على المؤسسة أن تضفي الطابع الديمقراطي على بياناتها إلى أقصى حد، سعياً لتحقيقها تعاوناً واسع النطاق، وأن تنقلها إلى أيدي الخبراء وغير الخبراء على حد سواء. بالطبع لن يحصل الجميع في مؤسستك على دكتوراه في الرياضيات ولا يمتلكون جميعاً خلفية مهنية في علم البيانات، لكن هذا لن يمنعهم من المشاركة في هذه الخطوة، وعلى الرغم من ذلك، لا يحتاج الشخص إلى فهم كيفية عمل أداة ما حتى يستفيد من استخدامها. وفي نهاية تلك المرحلة لابد أن تتأكد من أن جميع الأطراف المعنيّة في مؤسستك قد توصلوا إلى فهم متبادل، ليس فقط للحقائق فقط بل لأهميتها، فهو أمر حاسم لنجاح بقية العملية.

الخطوة الثالثة: طرح أسئلة العمل الرئيسة 

بينما تدفع المرحلة السابقة المؤسسة إلى حافة معرفتها التنظيمية، فإن هذه المرحلة تُلقيها إلى المجهول. ومع وجود هدف ومجموعة من الافتراضات المتفق عليها وفقاً للمرحلتين السابقتين، يكون لدى المؤسسة كل ما تحتاجه لبدء طرح أسئلة العمل الرئيسة، أو مسارات التحقيق التي تنقلها من  مرحلة "ماذا نريد أن نحقق؟" إلى "ما الذي نحتاج معرفته لتحقيق ذلك؟".

يجب على المؤسسة في هذه المرحلة أن تطلب من الأطراف المعنية طرح كل الأسئلة التي تخطر ببالهم، باستخدام لغة تحديد الهدف الدقيقة التي قررتها المؤسسة خلال المرحلة الأولية، وذلك بشكل فردي في البداية، ثم فرق العمل. ولا يهم إذا كانت أسئلة جيدة أو أسئلة سيئة أو أسئلة بديهية أو حتى أسئلة غير واقعية، فالغرض هنا هو عدد الأسئلة وليس جودتها.

وعلى الرغم من أنه لا يجب حظر أي موضوع أو مسار للتحقيق، يمكن للمؤسسة أن تبدأ بطرح هذه الأسئلة:

  • هل يمكننا التنبؤ بالعملاء الأكثر عرضة لخطر الاتجاه إلى أحد المنافسين، وهل يمكن تصميم البرامج للحد من هذا الخطر؟
  • هل يمكننا التنبؤ بالعملاء الأعلى احتمالاً لتجربة علامتنا التجارية ومن ثم تبنّيها، وتصميم استراتيجيات ترويجية متعددة القنوات للوصول إليهم بشكل أكثر فاعلية؟
  • هل يمكننا تحديد السعر الأمثل لعلامتنا التجارية لتحقيق أقصى قدر من النمو عند مستوى معين من الربحية؟
  • هل يمكننا إعادة النظر في الأسلوب الذي نتواصل به مع عملائنا المستهدفين من خلال فهم مجموعات المنتجات التي يشتريها في الغالب نفس العملاء؟

في الكثير من الحالات، يتطلب هذا الفضول غير المقيد درجة من التجاهل، أي أن تتظاهر أنك لا تعرف ما تعرفه، أو تتظاهر أن بياناتك غير موجودة. وقد يتضمن هذا الفضول شيئاً من المخاطرة خصوصاً للمؤسسات الجديدة في مجال تحليلات البيانات، ولكنه يجني في النهاية أرباحاً هائلة إذا تم تنفيذه بشكل صحيح. ويعد الإبداع والابتكار أمرين أساسيين في هذه المرحلة الثالثة من طرح أسئلة العمل الرئيسة، بينما ارتباطك الشديد ببياناتك الحالية يعد وصفة لحدوث العكس. 

ولتحقيق الهدف ذاته، قد يكون من المفيد أن "تعكس" أسئلة العمل الرئيسة التي تقوم بطرحها. فمثلما يمكن أن يساعد رسم شيء ما وهو مقلوب رأساً على عقب، الفنان، في نسخ صورته بشكل أكثر دقة، كذلك فإن إعادة كتابة أسئلة العمل الرئيسة بشكل معكوس يمكن أن يؤدي إلى لحظات من كشف الغموض أكثر من تلك التي قد تنشأ بطريقة أخرى. ولمزيد من التوضيح تأمل المتوالية الافتراضية التالية التي قد تتبناها إحدى الشركات الصيدلانية:

الهدف: زيادة الالتزام بالعلاج بين المرضى الذين تم وصف الدواء "س" لهم.

سؤال العمل الرئيس: ما هي أساليب التوعية التي يستجيب لها المرضى غير الملتزمين بأكبر قدر من الثقة؟

سؤال العمل الرئيس بشكل معكوس: ما هي أساليب التوعية التي لا يستجيب لها المرضى غير الملتزمين؟

هذا التغير الطفيف في المنظور يمكن أن يغير قواعد اللعبة. ومثل أي نشاط يتعامل مع السلوك الإنساني، فالتسويق علم غير دقيق، ولا يمكن المبالغة في تقييد قيمة جهودك من الناحية الاستراتيجية، لذلك يعد الارتياب أو الشك أكثر استساغة – وأقل تسبباً في المشاكل – عندما تحدد مكان وجوده قبل أن ينتشر في العملية بأكملها، ففي مجال العمل، تكون المعرفة بوجود أمور مجهولة، أفضل من عدم المعرفة بوجود هذه الأمور. 

الخطوة الرابعة: تحديد أولويات أسئلة العمل الرئيسة الخاصة بك

الآن وبعدما قامت المؤسسة بتجميع قائمة مفصلة بأسئلة العمل الرئيسة، تأتي المرحلة التالية، وهي تقييم ونقد وتحديد أولويات هذه الأسئلة. فمن الناحية العملية، قد تكون بعض أسئلة العمل الرئيسة قابلة للتطبيق بشكل كبير، ولكنها تفتقر إلى الإمكانات الواضحة للتأثير على العمل، في حين أن بعض الأسئلة الأخرى لديها القدرة على إحداث ثورة في أعمالك، ولكنها غير قابلة للتطبيق بدرجة كبيرة. لذلك لا بد أن تدرك أن الأحلام الوهمية والفضول والتحسينات المتزايدة كلها أشياء قيّمة من الناحية الظرفية، لكن التركيز على متابعة أسئلة العمل الرئيسة ذات القيمة العالية، سيؤدي في النهاية إلى نتائج مجدية.

تحويل آلية الدفاع إلى عامل تغيير

من المغري وضع تحليلات البيانات في منعطف منعزل عن عملياتك التشغيلية، ولكن في الواقع لا تعد هذه البيانات من الأشياء التي تُستخدم بشكل متقطع على فترات محددة، ولا في صوامع مقيدة ترتكز على المشاريع.

إذا أرادت المؤسسة تحقيق نتائج حقيقية، لا بد أن تستخدم تحليلات البيانات طوال دورة عملها. فالتحليلات الوصفية الخاصة باليوم هي أساس عمليات التخطيط  المستندة على سؤال العمل الرئيس غداً، والتي بدورها تشكل أساساً لموجز التحليلات المستقبلية الذي يشرح بالتفصيل كيف ستجيب المؤسسة على أسئلة العمل الرئيسة عالية القيمة. كما تُسرع بنية اتخاذ القرارات الدورية ذات المعلومات التبادلية، من التحول المؤسسي وتُوقف تعلقك بأحداث الماضي.

قال عالم الفيزياء نيلز بور، الحائز على جائزة نوبل: "الخبير هو رجل ارتكب جميع الأخطاء التي يمكن ارتكابها في مجال محدود للغاية". وهذا القول أكثر صدقاً في مجال الأعمال من غيره، حيث يُمكّن برنامج تحليلات البيانات المصمم بشكل جيد المؤسسات من إعادة توجيه تركيزها من تبرير القرارات السابقة إلى التعلم من أخطاء الماضي. وكلما أسرعت المؤسسات في إجراء هذا التحول، سرعان ما ستنعم بفوائد اتخاذ القرارات المستندة إلى البيانات الحقيقية.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!