أحد الأمور الكثيرة التي تقلق المدراء هي عدم امتثال الموظفين للنظم والقواعد. وتشير الأدلة إلى أن هذا السلوك واسع الانتشار ويمكن أن يخلف عواقب وخيمة. جربت الشركات العديد من الطرق المختلفة للحد من السلوك غير الأخلاقي مهنياً، بداية من إنشاء مدونات سلوك إلى تنفيذ التدريب على الأخلاقيات. لكن هذه التدخلات غالباً ما تكون موضع انتقاد لأنها غير فعالة. وقد يكون سبب ذلك أنها مباشرة جداً.

نميل إلى التفكير في السلوك غير الأخلاقي على أنه مقصود، بمعنى أنّ الموظفين يختارون عن وعي خرق القواعد. هذا صحيح في بعض الأحيان، لكنه ليس كذلك في أحيان أخرى. ولقد أظهرت الأبحاث أنّ السلوك غير الأخلاقي ينشأ في كثير من الأحيان من دون وعي، من ميول العاملين التلقائية في غياب أي انضباط.

هناك طريقتان نعالج معهما المعلومات ونتخذ القرارات: النوع الأول، استجاباتنا السريعة والتلقائية لأي موقف. والنوع الثاني، التفكير المتأني المنطقي والتأملي. لا تتطلب عمليات النوع الأول الكثير من الجهد أو التذكر، وهذا ما يجعلها بمثابة نظامنا "الافتراضي" لاتخاذ القرارات، إلا إذا كنا قادرين على التحول عن قصد إلى عمليات النوع الثاني. إنّ عمليات النوع الأول هي أيضاً العمليات التي تخدم بشكل متكرر (وإن لم يكن دائماً) مصالحنا الأنانية أو التي تشعرنا بالمتعة، على سبيل المثال، إغراء أخذ أموال غير المكتسبة بطرق جائزة قانونياً، في حين تضطلع عمليات النوع الثاني بوظيفة ضبط الذات التي تمكننا من تجاوز مثل هذه الميول.

تساءلنا عما إذا كان العمل الروتيني يؤثر على ميل الموظف لانتهاك الأنظمة عن طريق تنشيط المزيد من عمليات النوع الأول. هل يجعل القيام بالمهمة نفسها مراراً وتكراراً عملية اتخاذ القرار تلقائية ويجعل الموظفين أكثر عرضة للابتعاد عن التصرف بوازع أخلاقي؟ وهل من شأن تنشيط عمليات النوع الثاني المساعدة في الحد من انتهاك القواعد؟ وجد بحثنا، المنشور في مجلة "أورغانايزيشن ساينس" (Organization Science) أن أداء المهمة نفسها قد يؤدي إلى مزيد من الانتهاك للقواعد، في حين أن التبديل بين المهام ولو قليلاً قد يقلل من ذلك.

يتطلب العديد من الوظائف من الأفراد القيام بمهام متكررة لكن ترتيبها يكون مرناً في كثير من الأحيان. على سبيل المثال، قد يحتاج أخصائي الأشعة إلى قراءة ثلاث صور أشعة سينية وثلاث بالرنين المغناطيسي وثلاث بالأشعة فوق الصوتية. وقد يحتاج كاتب إدخال البيانات إلى إدخال بيانات ثلاثة طلبات تأمين وثلاثة نماذج استئناف وثلاثة طلبات تعويض. في كل حالة، توجد مهام من نوع "أ" و"ب" و"ج". يمكن للموظفين إنهاء جميع المهام "أ" قبل الانتقال إلى "ب" و"ج"، بحيث يكون هناك القليل من التبديل بين المهام (على سبيل المثال أأأ ب ب ب ج ج ج). أو التبديل بينها بصورة متكررة (أ ب ج أ ب ج أ ب ج)، فيتبعون بذلك "تسلسلاً متنوعاً". اعتقدنا أن التنوع قد يجبر الموظفين على البقاء أكثر انتباهاً وإدراكاً من الناحية المعرفية، الأمر الذي قد يدفعهم إلى مراعاة الأصول الأخلاقية بصورة أكبر، ببساطة عن طريق تجنب اتخاذ القرارات التلقائية التي تحقق لهم منفعة ذاتية.

عاينت دراستنا الأولى البيانات الخاصة بالموظفين الذين يعالجون طلبات الرهن العقاري في بنك ياباني. صُمم العمل بحيث كُلف الموظفون بمعالجة كل مرحلة من مراحل الطلب على حدة. وعلى مدار اليوم، قد يُكلفون في العمل على المرحلة نفسها التي وصلها العديد من الطلبات أو على مراحل مختلفة، اعتماداً على ديناميات النظام. حللنا 17,161 ملاحظة لدى 101 موظف، من يونيو/حزيران 2007 إلى ديسمبر/أيلول 2009. وكإجراء للخروج عن القواعد التنظيمية، نظرنا في ما إذا كان الموظفون التزموا بسياسة الغداء وعادوا من استراحة الغداء ومدتها ساعة في الوقت المحدد.

درسنا العلاقة بين تنوع مهام الموظفين (أي عدد المراحل المختلفة التي عملوا عليها قبل الغداء) وكم من الوقت استغرقت استراحة الغداء. وبعد التحكم في عوامل مختلفة مثل عبء العمل، وجدنا علاقة سلبية بين مجموعة متنوعة من المراحل المكتملة قبل الغداء والميل إلى مد استراحة الغداء أطول من الوقت المسموح به. عندما عمل الناس على مهام مختلفة في الصباح، كانوا أقل ميلاً للعودة متأخرين من استراحة الغداء من الأشخاص الذين أدوا المهام نفسها.

نظراً لأن هذا لا يعني وجود علاقة سببية، بادرنا بإجراء ثلاث تجارب في المختبر. استقطبنا 403 مشاركين (202 مشارك عبر الإنترنت يمثلون عامة السكان في الولايات المتحدة، و201 مشارك في المختبر في المملكة المتحدة والولايات المتحدة، وكان معظمهم من الطلاب). طلبنا منهم حل سلسلة من المسائل الرياضية في الجبر والهندسة الفراغية. في جميع التجارب، رأت مجموعة هذه المسائل مرتبة حسب الفئة (تنوع منخفض)؛ ورأت المجموعة الأخرى المسائل مختلطة (تنوع عال). في إحدى الدراسات التي قمنا بها، بمجرد انتهاء المشاركين من حل الأسئلة، قيمنا وضعهم الافتراضي لاتخاذ القرارات (النوع 1 أو النوع 2) باستخدام مقياس يسمى "مهمة التأمل المعرفي" (CRT). تتكون مهمة التأمل المعرفي من ثلاثة أسئلة لاختبار ما إذا كان شخص ما يجيب بالاعتماد على الحدس أو بعد تفكير.

ثم أعطينا ا​لمشاركين مجموعة ثانية من الأسئلة، وفرصة للغش. بمجرد ظهور السؤال على الشاشة، ظهرت الإجابة الصحيحة أيضاً، إلا إذا ضغط المشارك على مفتاح معين على لوحة المفاتيح. قيل لهم إن هذا يحدث بسبب خلل في النظام وأن عليهم الضغط على المفتاح لمنع ظهور الإجابة الصحيحة، وإلا فلن نعرف إن كانوا يعرفون الإجابة الصحيحة أم لا. (في تجربة أخرى، أمكن للمشاركين تحريك المؤشر باتجاه أسفل الشاشة لرؤية الإجابة الصحيحة، على الرغم من الطلب منهم صراحة عدم القيام بذلك). تقاضى المشاركون مبلغاً استناداً إلى عدد الإجابات الصحيحة التي قدموها، لذلك كان لديهم الحافز للبحث عن الإجابة الصحيحة.

وجدنا أن المشاركين في المجموعة عالية التنوع في الجولة (1) كانوا أقل ميلاً للغش في الجولة الثانية من المشاركين في المجموعة منخفضة التنوع. وأظهرت نتائج مهمة التأمل المعرفي أن المجموعة عالية التنوع لجأت بصورة أكبر لاتخاذ قرارها بعد تفكير، ما يشير إلى أن رؤية مجموعة متنوعة من الأسئلة (على عكس مجموعات الأسئلة المنظمة) نشَط ذهنية التفكير التي أدت إلى تقليل انتهاك الأنظمة.

تشير هذه النتائج إلى طريقة بسيطة نسبياً لدعم الامتثال للقواعد في العمل. فتغيير الترتيب الذي يؤدي به الموظفون المهام الروتينية قد يشجع على اتباع الأنظمة بسهولة أكبر من تغيير دوافع الأشخاص.

ومع ذلك، ينبغي التزام الحذر لدى تفسير النتائج التي توصلنا إليها، وبالمثل هذه النصيحة. تناولت دراساتنا مهاماً بسيطة نسبياً. لا نعرف على وجه اليقين إن كانت الآثار التي لاحظناها تنطبق على المهام المعقدة. وجدت أبحاث أخرى أن التبديل بين المهام يمكن أن يُضر بالأداء، على الأقل في المدى القصير، وأن العبء المعرفي الأكبر المطلوب يمكن أن يجعل الناس يشعرون بالاستنزاف، وبالتالي يصبحون ميّالين للتصرف بصورة غير أخلاقية. وفي المهام المعقدة، قد تفوق تكاليف التبديل فوائد تنويع المهام. وهناك حاجة لاستكشاف هذه الأسئلة في أبحاث تجريبية في المستقبل.

ننصح المدراء بمراجعة سياق عمل فرقهم. وقد يكون تصميم عمل الموظفين لإضفاء مزيد من التنوع عليه أكثر فعالية في تعزيز السلوك الأخلاقي عندما يكون مستوى تعقيد المهام منخفضاً إلى متوسط، وعندما لا يكون الانتقال من مهمة إلى أخرى أمراً صعباً للغاية. وقد تكون هناك أوقات بيئة العمل فيها متغيرة ومستوى انعدام اليقين مرتفع، وبالتالي التبديل بين المهام باهظ التكلفة أيضاً. يجب على المدراء تجربة كيفية تصميم المهام والاستعداد لرصد التأثيرات.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

error: المحتوى محمي !!