جرى توثيق إسهام المهاجرين بطريقة غير متناسبة مع دورهم في ريادة الأعمال. وهذا الأمر ينطبق على الولايات المتحدة -حيث يمثل المهاجرون 27.5% من كل رواد الأعمال، في الوقت الذي يمثلون 13% فقط من تعداد السكان- والعديد من الدول الأخرى حول العالم.

في المتوسط، يساهم المهاجرون في ريادة الأعمال الأميركية بضعف ما يساهم به المواطنون المولودون في الولايات المتحدة. لكن المهاجرين لا ينشؤون شركات أكثر فحسب، بل يؤسسون شركات أكثر نجاحاً أيضاً. وأظهرت دراسة أجرتها كلية هارفارد للأعمال تقارن الشركات التي أسسها مهاجرون بالشركات التي أسسها مواطنون -أظهرت أن الشركات المؤسسة على يد مهاجرين تؤدي أداء أفضل من حيث نمو العمالة على مدى آفاق زمنية مدتها ثلاث وست سنوات. واستنتج مؤلفو الدراسة -أستاذ إدارة الأعمال وليام آر كير وزوجته عالمة الاقتصاد ساري بيكالا كير- أن الشركات التي يقودها مهاجرون تنمو بمعدل أسرع، وتكون أكثر عرضة للاستمرار على المدى الطويل، مقارنة بالشركات التي يقودها مواطنون.

لماذا هذا هو الحال؟ الباحثون غير متأكدين تماماً، لكن كما قال وليام كير: "تصرفات أي شخص يتنقل بين جميع أنحاء العالم، تاركاً خلفه عائلة في كثير من الأحيان، قد تدفعه إلى اختيار الأعمال الأكثر تحدياً ومخاطرة". ومن المهم أن نشير إلى أنه ليس كل المهاجرين أو غير المهاجرين متشابهين، ومن الواضح أنه يوجد قدر هائل من التباين بين الأفراد. ومع ذلك، فالعديد من الصفات التي يبدو أنها تجعل المهاجرين أكثر ميلاً للنجاح في بناء شركاتهم الخاصة هي الأسباب التي تجعلك تفكر في توظيفهم لمساعدتك على بناء شركتك.

عقلية النمو

يتطلب النجاح في بيئة الأعمال اليوم التمتع بـ "عقلية النمو". يعتقد أي شخص يتمتع بعقلية النمو أن مواهبه ليست راكدة، ويعتقد أنه يمكنه فعل المزيد من خلال العمل الجاد والتفكير في استراتيجيات جيدة وطلب المعلومات من الآخرين. يحقق مثل هؤلاء الأشخاص أكثر مما يحققه الأشخاص ذوو العقلية الثابتة، الذين يميلون إلى الاعتقاد بأنهم وُلدوا فقط بمواهب فطرية محددة، ومن المرجح ألا تتغير.

وهناك مفهوم يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمفهوم "عقلية النمو"، وهو مفهوم "عقلية المهاجر". إذ إن الأشخاص الذين يرغبون في التنقل بحثاً عن شيء أفضل هم الأشخاص العازمون على إحداث التغيير بأنفسهم. تتطلب الهجرة إلى بلد جديد أيضاً مستوى عالياً من الثقة في قدرة الشخص على التغيير، ومستوى عالياً من تحمل المخاطرة والغموض. والأهم من ذلك، يؤمن هؤلاء الأشخاص بقدرتهم على اكتشاف الأمور والتأقلم معها بمجرد أن يصلوا هناك.

يُعد عدم الخوف من التحديات الجديدة والوصول إليها بتحضير مسبق أمراً مهماً للغاية من أجل استمرار الشركات على المدى الطويل. تشهد هذه الشركات التي لا تبتكر بشكل مستمر ولا تتكيف مع التقدمات التقنية والتغيرات في المجتمع انخفاضاً في أهمية منتجاتها أو خدماتها في نهاية المطاف. وفي الوقت نفسه، يحل محلها المنافسون، أو بكل بساطة، أساليب جديدة وأفضل في العمل. يتطلب النمو أن ترى الشركات التغيير إلزامياً وليس اختيارياً. ويبدو أن المهاجرين -الذين هم متمرسون في التغيير- على الأرجح يساعدون الشركات على الاستمرار في المنافسة والازدهار.

التأقلم

يتطلب الأمر مهارات التأقلم للاستمرار – ناهيك عن الازدهار- في مكان جديد. وعندما تكون في ثقافة جديدة كلياً، وخاصة عندما تتعلم لغة جديدة، لا تكون الحاجة إلى التغيير مرة واحدة فحسب، بل مطلباً يومياً مستمراً. ولهذا السبب يميل المهاجرون -الذين جاءوا من خلفيات ثرية أو ذات امتيازات في بلدهم- سريعاً إلى فقدان أي شعور بالأهلية. قد يكون التأقلم عملية مؤلمة وصعبة، وتحدث على نحو متواصل؛ فهي تفرض إعادة النظر في الأمور المألوفة، وتحتاج من الشخص إجراء تغييرات على طريقة تفكيره وتصرفه.

كتب دارميش شاه، المؤسس والرئيس التنفيذي التقني لشركة "هبسبوت" (HubSpot) الأميركية، وأحد المهاجرين إلى الولايات المتحدة، كتب عن الكثير من التغييرات التي أجراها على نحو متصل كي يتأقلم، بدايةً من التخلص من لهجته، إلى تغيير مظهره، وحتى تغيير اسمه مؤقتاً إلى ديفيد.

هنا أيضاً، ربما يقدم المهاجرون فائدة لأرباب العمل. إذ تجد الشركات بنمط متزايد أن التأقلم السريع ضروري للنجاح في البيئة التنافسية الحالية. وقد يساعدك توظيف المهاجرين في بناء القوى التنظيمية التي ستمكن شركتك من أن تصبح أكثر تقبلاً للتغيير المستمر المطلوب في الشركات الآن، والتصرف بناءً عليه.

التنوع والشمول

عادة ما يعمل المهاجرون على تحسين التنوع العرقي واللغوي للشركة، كما يقدمون عدداً كبيراً من التجارب والخلفيات والمعرفة الفريدة لمكان العمل. وتهتم الشركات بنتائج الأبحاث التي تشير إلى أن الشركات التي لديها أشخاص أكثر تنوعاً في طاقم عملها تتمتع بأداء مالي أفضل؛ وذلك إلى حد بعيد بسبب أن الفرق غير المتجانسة تميل إلى التفوق على الفرق التي تضم الكثير من الأشخاص المتشابهين.

لكن توظيف عمالة أكثر تنوعاً هو نصف المعادلة فقط؛ فدون منح الأشخاص فرصاً متساوية للمشاركة، ودمجهم حقاً في كل جوانب العمل، لن تصل الفرق إلى حالة من الأداء العالي سريعاً، ولن تستفيد الشركات من المزايا الفريدة للأفراد إلى أقصى درجة. ومن هنا يأتي الشمول.

يدرك المهاجرون شعور أن تكون غريباً في بلاد غريبة. وخلال مسيرتي المهنية، لاحظت أن الأشخاص في فريقي الذين كانوا إما قد هاجروا إلى بلد جديد أو قضوا وقتاً طويلاً في العيش بالخارج لديهم حساسية شديدة تجاه حقيقة أن المهاجرين الآخرين قد لا يشعرون بالاندماج. ويميل هؤلاء الأشخاص إلى الترويج لطريقة اندماجية في العمل بقدر أكبر من الموظفين الذين لم يخوضوا هذه التجربة. وأيضاً يكونون أكثر إدراكاً أن الآخرين قد يساهمون بتجارب مختلفة عن تجاربهم؛ لذلك يميلون إلى أن يكونوا أكثر رغبة في الاستماع إلى الأصوات التي قد لا تكون مسموعة في بيئة العمل. ولأنهم يعرفون جيداً ما هو شعور أن تكون مختلفاً؛ فإنهم يمكنهم أيضاً أن يكونوا أكثر ميلاً للتوافق مع واقع التمييز الصارخ والمنتشر. وهذا بدوره قد يجعلهم متحمسين للمساعدة في منع زملائهم من التعرض لذلك.

الاستعداد العالمي

تُعد واحدة من أهم الفوائد التي يجري تجاهلها باستمرار والتي يقدمها المهاجرون في سياق العمل هي أن لديهم خبرة دولية. قد لا يبدو الإلمام بثقافات ولغات أخرى مهماً بالنسبة لشركة لم تبعْ بعدُ منتجاتها خارج حدود بلدها، لكن من أجل استمرار النمو؛ تصل كل شركة تقريباً إلى نقطة تحتاج فيها إلى التوسع خارج الحدود. واليوم، في ظل تمتع معظم الشركات بحضور على الإنترنت؛ فإن هذه الشركات أصبحت عالمية من يومها الأول.

لا تكون معظم الشركات مستعدة للتعامل مع الأعمال العالمية من اليوم الأول، وتوجه أعمالها نحو احتياجات السوق المحلية فقط. وعندما توسع الشركات أنشطتها عالمياً، عادة ما تكون العملية مؤلمة ومليئة بالتعلم التنظيمي ومتاعب النمو.

وربما يكون الأشخاص الذين يقدمون خبرات من بلد مختلف، ومن سياق ثقافي مختلف؛ أوفر حظاً في تفادي الشركة التعرض لمثل هذه المتاعب، وفي تسريع التعلم التنظيمي للشركة بشأن كيفية التحول إلى شركة عالمية. وخلال دوري في شركة "هب سبوت"، وهو قيادة التوسع والاستراتيجية الدوليين للشركة، وجدت أن العديد من الموظفين الذين لديهم تجارب في الهجرة يميلون إلى التفكير بشأن التحديات الدولية المحتملة في وقت مبكر جداً. إنهم لا يفكرون في الأسواق التي يوجدون بها الآن، والعملاء الذين يتعاملون معهم في الوقت الحالي فحسب، بل لديهم نظرة أكثر عالمية تجاه الحياة نفسها، ويتبعون هذا المنظور في عملهم اليومي، ويصممون العمليات، ويؤدون عملهم بطريقة تمنع الاحتكاك العالمي فيما بعد، عندما تنمو الشركة في أسواق جديدة.

دمج الخبرات عبر الحدود في شركتك

فيما يلي بعض الأساليب العملية للتأكد من أن شركتك توّظِف أشخاصاً متأقلمين يتمتعون بعقلية النمو وخبرات متعددة الثقافات:

الاستثمار في خبرات التنقل والهجرة: غالباً ما  يحتاج المرشحون الذين هاجروا إلى دعم إضافي لضمان الامتثال للقوانين واللوائح، وخاصةً فيما يتعلق بالتأشيرات ومتطلبات العمل. تأكد من أن فريقك القانوني يمكنه دعمك ولديه القدرة على تقديم المشورة بشأن تفاصيل هذا المجال.

إضافة الخبرات الدولية أو متعددة الثقافات إلى أولوياتك في التوظيف: اشرح أولوياتك بوضوح لفريق التوظيف الخاص بك؛ فبإمكانهم المساعدة في إضافة الخبرة الدولية كميزة مطلوبة إلى الوصف الوظيفي، أو إلى أدوات عملية اختيار المرشحين، وما إلى ذلك. يمكنك أيضاً إخبارهم بالبحث عن أشخاص وُلدوا في بلدك، لكنهم قضوا جزءاً لا بأس به من حياتهم في الخارج أو لديهم خبرات أخرى متعددة الثقافات.

الأشخاص الذين يتحدثون لغات متعددة: ليس من السهل دائماً معرفة أن شخصاً ما قدم إلى بلدك من بلد آخر عبر النظر في سيرته الذاتية فقط، وخاصةً إذا حصل على تعليم عالٍ بمجرد وصوله إلى بلدك. تمكنك الملفات الشخصية المهنية، مثل لينكد إن، من تصفية الملفات بحسب اللغة؛ للعثور سريعاً على الأشخاص الذين يتمتعون بخبرة دولية. يمكنك أيضاً التفكير في إضافة الخبرة اللغوية إلى أنظمتك الحالية لتصفية الملفات؛ حتى تتمكن من تحديد الموظفين الذين قد تكون لديهم هذه الخبرة بالفعل دون علم مديريهم.

البحث عن مرشحين يتمتعون بعقليات قابلة للتكيّف: لست بحاجة إلى أن تكون مهاجراً لإظهار العديد من الصفات التي تجعل المهاجرين ناجحين في العمل. ضع في اعتبارك الموظفين الذين لا يخجلون من التغيير، ولديهم سجل حافل من اختيار الغريب على حساب المألوف. ابحث عن أشخاص أسسوا محاور وظيفية رئيسية، أو تغلبوا على تحديات كبيرة أو غير عادية، أو أظهروا علامات على استعدادهم لاستكشاف المجهول في أثناء التأقلم والازدهار.

تشجيع الموظفين على اكتساب خبرات دولية: إذا كانت لديك مكاتب خارج بلدك؛ فكر في خلق حوافز لموظفيك لقضاء وقت أطول في تلك المكاتب. يمكن أن تزداد النفقات، لكن لا شيء يحل محل قيمة العيش والعمل في بلد آخر، بغض النظر عن طول المدة، لمساعدتهم في المساهمة بطريقة أكثر فائدة لشركتك، خاصةً إذا كانت الأعمال الدولية جزءاً مهماً في تعزيز نموك العالمي بصورة شاملة.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!