على الشركات التي تدرس كيفية الاستثمار في قدرات الذكاء الاصطناعي أولاً استيعاب فكرة أنه على مدار السنوات الخمس المقبلة ستصبح التطبيقات والآلات أقل اصطناعاً وأذكى من ذي قبل. وستعول بقدر أقل على البيانات الضخمة التصاعدية والمزيد من الاستدلال التنازلي الذي يحاكي بقدر أكبر الطريقة التي يتعاطى بها البشر مع المشكلات والمهام. وهذه القدرة الاستدلالية العامة ستساعد على تطبيق الذكاء الاصطناعي بشكل أكثر توسعاً من ذي قبل، ما سيخلق فرصاً لأوائل المتبنيين في الشركات والأنشطة التي بدا فيها الذكاء الاصطناعي في السابق غير مناسب.

في الماضي القريب، تقدم الذكاء الاصطناعي عن طريق التعلم العميق والتعلم الآلي، حيث بنى نظماً من الصفر بتدريبها على كميات مهولة من البيانات. على سبيل المثال، تُدرب المركبات من دون سائق على أكبر عدد من المواقف المرورية. غير أنّ هذه الشبكات العصبية النهمة للبيانات، كما يُطلق عليها، تعيقها مجموعة من القيود الجسيمة. فهي تعاني من مشكلة التعامل مع الحالات "غير المألوفة"؛ وهي المواقف التي تتاح فيها بيانات محدودة. فالسيارة بلا سائق التي بوسعها التعامل مع ممرات المشاة والمشاة والحركة المرورية لديها مشكلة في معالجة حالات مثل الأطفال الذين يقطعون الطريق مسرعين بعد الغسق وهم يرتدون أقنعة على وجوههم مثلاً.

إنّ كثيراً من النظم تتعثر بسهولة. فلا يتعرف نظام التعرف على ملامح الوجه لهاتف آيفون إكس على "وجوه المستيقظين صباحاً"؛ وأعني الملامح المنتفخة والمنهكة للمستخدم عند استيقاظه صباحاً. لقد هزمت الشبكات العصبية أبطال لعبة الشطرنج، وانتصرت في لعبة "جو" اليابانية القديمة، ولكن فور أن تقلب صورة ما رأساً على عقب أو تجري عليها تعديلات طفيفة، قد لا تتعرف عليها الشبكة، أو قد تقدم مطابقات "بدرجة عالية من الثقة" لأشياء يستحيل التعرف عليها.

وتواجه النظم الشرهة للبيانات أيضاً معوقات تجارية وأخلاقية. ليست كل شركة لديها حجم البيانات الضروري لبناء قدرات مميزة باستخدام الشبكات العصبية. واستخدام كميات مهولة من بيانات المواطنين أيضاً يثير قضايا تتعلق بالخصوصية من الأرجح أن تفضي إلى المزيد من الإجراءات الحكومية كالنظام الأوروبي العام لحماية البيانات التابع للاتحاد الأوروبي الذي يفرض متطلبات مشددة على استعمال البيانات الشخصية للأفراد. علاوة على ذلك، فإنّ هذه النظم أشبه بالصناديق السوداء؛ والتي ليس من الواضح كيف تُسخر البيانات المدخلة لاستنباط نتائج كالأفعال أو القرارات. وهذا يجعلها عرضة لتلاعب المتلاعبين (كالروس في انتخابات الرئاسة الأميركية عام 2016)، وعندما يقع خطب ما يصعب على المؤسسات المخطئة تفسير سبب ذاك الخطب بشكل مثير للحرج.

ولكن، في المستقبل، ستكون في حيازتنا نظم مصممة من القمة إلى القاع لا تتطلب القدر ذاته من البيانات، كما ستكون أسرع وأكثر مرونة وأذكى بشكل فطري كالبشر. وهناك عدد من الشركات والمؤسسات فعّلَت هذه النظم الطبيعية بقدر أكبر. ولوضع رؤية للوجهة التي يقصدها الذكاء الاصطناعي خلال السنوات العديدة المقبلة، ومن ثم تخطيط الاستثمارات والاختبارات وفقاً لتلك الرؤية، ينبغي على الشركات البحث عن تطورات في أربعة جوانب:

استدلال روبوتي أعلى كفاءة. عندما يكون لدى الروبوتات استيعاباً مفاهيمياً للعالم كالبشر تماماً، من الأسهل تعليمها أشياء باستخدام كم أقل بكثير من البيانات. تعمل شركة فيكاريوس (Vicarious) الناشئة والواقعة في مدينة يونيون سيتي بولاية كاليفورنيا، ومن بين المستثمرين فيها مارك زوكربيرغ وجيف بيزوس ومارك بينيوف، على تطوير ذكاء عام اصطناعي للروبوتات، ما يمكنها من التعميم من أمثلة قليلة.

فكر في خلطات الحروف والأرقام التي تستخدمها مواقع الويب لتحديد ما إذا كنت بشراً أم إنساناً آلياً. هذا الخليط يعرف باسم "كابتشا" (CAPTCHA)، ومن السهل على البشر التعرف عليها، غير أنه من الصعب على الحواسب استبيانها. واستناداً إلى علم الأعصاب الحاسوبي، طور الباحثون في شركة فيكاريوس نموذجاً بوسعه فك طلاسم الـ "كابتشا" بمعدل أعلى بكثير من الشبكات العصبية العميقة وبكفاءة بيانات أعلى 300 مرة. ولتحليل الـ "كابتشا" بدقة نسبتها 67% تقريباً، تطلب نموذج فيكاريوس خمسة أمثلة تدريبية فقط لكل رمز، بينما اقتضت أحدث شبكة عصبية عميقة مجموعة تدريبية من سلاسل الـ "كابتشا" أضخم 50 ألف مرة. وهذه النماذج، بما لها من قدرة أسرع على التدريب والتعميم على نطاق أوسع من أساليب الذكاء الاصطناعي المستعملة عموماً الآن، وتضعنا على الدرب المؤدي إلى روبوتات تتمتع باستيعاب مفاهيمي للعالم شبيه بالبشر.

خبرة جاهزة. بوسع الذكاء الاصطناعي التنازلي، بمحاكاته لما يقوم به الخبير البشري في مواجهة الموقف المحفوف بالشكوك والبيانات المحدودة التفوق على الأساليب الشرهة للبيانات في تصميم العديد من معدات المصانع المتنوعة والتحكم بها. تستخدم شركة سيمنز (Siemens) الذكاء الاصطناعي التنازلي للتحكم في عملية الاحتراق في توربينات الغاز المعقدة تعقيداً شديداً والتي يتدفق فيها الهواء والغاز في غرفة ويشتعلان ويحترقان عند درجات حرارة عالية تصل إلى 1,600 درجة مئوية بحد أقصى. ويعتمد حجم الانبعاثات الناتجة عن هذه العملية، ومن ثم المدة التي سيستمر المحرك التروبيني في العمل خلالها في نهاية المطاف على التفاعل بين العديد من العوامل، بداية من جودة الغاز حتى تدفق الهواء ودرجة الحرارة الداخلية والخارجية.

وباستخدام أساليب تعلم آلي تنازلية، سيتعين على توربينة الغاز العمل لعقد كامل قبل أن تنتج بيانات كافية للشروع في التدريب. وبدلاً من ذلك، استخدم فولار شتيرسينغ وشتيفن أودلوفت باحثا شركة سيمنز أساليب تطلبت بيانات محدودة في مرحلة التعلم للآلات. ويُجري نظام المراقبة الناتج تعديلات دقيقة تُحسن من كيفية تشغيل التوربينات من حيث الانبعاثات والتآكل بفعل الاستخدام، حيث يبحث باستمرار عن الحل الأمثل على الفور، شأنه إلى حد كبير شأن الخبير الذي يعكف على ضبط إيقاع الموسيقى بخبرة واسعة في حفل موسيقي.

منطق سديد. تعمل مجموعة متنوعة من المؤسسات على تعليم الآلات كيفية الإبحار في العالم من حولها باستخدام المنطق السديد؛ وذلك بفهم الأشياء والأفعال اليومية والتواصل بشكل طبيعي والتعامل مع المواقف المفاجئة والتعلم من التجارب. ولكن الأشياء التي تخطر للبشر بشكل بديهي دون تدريب أو بيانات واضحة، تشق بشدة على الآلات. يقول أورين إتزيوني، الرئيس التنفيذي لمعهد ألين (Allen Institute) للذكاء الاصطناعي: "ما من نظام للذكاء الاصطناعي فعال حالياً بوسعه الإجابة بشكل موثوق عن مجموعة كبيرة من الأسئلة البسيطة على غرار: "إذا وضعت جوربي في الدرج، فهل سأجده مكانه صباح اليوم التالي؟" أو "كيف يمكنك الجزم بما إذا كانت علبة الحليب مملوءة عن آخرها؟".

للمساعدة في تحديد معنى ألّا يكون للآلات منطق سديد، يعكف معهد ألين للذكاء الاصطناعي على ابتكار مجموعة من المهام التي يمكنها قياس التقدم الذي تم إحرازه استناداً إليها. وتستثمر وكالة مشاريع البحوث المتطورة الدفاعية ملياري دولار في أبحاث الذكاء الاصطناعي. ففي برنامجها المعروف باسم "المنطق الآلي السديد"، سيبتكر الباحثون نماذج تحاكي النطاقات الأساسية للاستيعاب البشري، بما في ذلك "نطاقات الأشياء (الفيزياء الحدسية) والأماكن (التنقل المكاني) والعملاء (الفاعلون المتعمدون)". ولقد طور الباحثون في شركة مايكروسوفت وجامعة مكغيل (McGill) معاً نظاماً بدا واعداً للغاية لفك الالتباس بين أوجه الغموض في اللغة الطبيعية، وهي المشكلة التي تتطلب أشكالاً متنوعة من الاستدلال والمعرفة.

الإقدام على رهانات أفضل. يفرز البشر بشكل روتيني، وغالباً بلا أي مجهود أو عناء، الاحتمالات ويتصرفون وفقاً لأرجحها على الإطلاق، حتى ولو لم يتمتعوا سوى بخبرة مسبقة محدودة نسبياً. ويجري الآن تعليم الآلات محاكاة هذا المنطق بواسطة تطبيق عمليات "غاوس"؛ وهي عبارة عن نماذج احتمالية بوسعها التعامل مع حالات الريبة المتفشية، والتعامل مع بيانات محدودة والتعلم من التجارب. لقد أطلقت شركة ألفابت، الشركة الأم لشركة جوجل، مشروع "لون" المصمم لإمداد المناطق المحرومة من الخدمات في العالم أجمع بخدمة الإنترنت عبر نظام من البالونات العملاقة التي تحلق في طبقة الستراتوسفير. وتوظف أنظمة الملاحة الخاصة بهذه البالونات عمليات غاوس للتنبؤ بالأماكن التي يتعين على البالونات التوجه إليها عند هبوب الرياح الطبقية شديدة التقلب أعلى البالونات. وبعد ذلك، يتحرك كل بالون إلى طبقة من طبقات الرياح التي تهب في الاتجاه الصحيح، فتُرتب نفسها بحيث تشكل شبكة اتصالات ضخمة. وليس بوسع البالونات فحسب الوصول إلى توقعات دقيقة بشكل معقول عن طريق تحليل بيانات التحليق الماضية، بل يمكنها أيضاً تحليل البيانات أثناء طيرانها وتعديل توقعاتها وفقاً لتلك التحليلات.

تعد عمليات غاوس تلك بآمال عريضة. فهي لا تتطلب كميات كبيرة من البيانات للتعرف على الأنماط. إنّ العمليات الحوسبية الضرورية للاستدلال والتعلم سهلة نسبياً، وإذا حدث خطب ما يمكن اقتفاء أثر علته، على عكس الصناديق السوداء الممثلة في الشبكات العصبية.

على الرغم من أنّ كل هذه الطفرات حديثة نسبياً، غير أنها ترجع بنا إلى بدايات الذكاء الاصطناعي نفسها في الخمسينيات، إذ بدأ عدد من الباحثين في البحث عن نماذج تنازلية لمحاكاة الذكاء البشري. ولكن، عندما اتضح أنّ التقدم الذي تم إحرازه مضلل، واتضحت الإمكانات الثرية لأساليب التعلم الآلي التصاعدية، تم التخلي عن المنهج التنازلي إلى حد كبير. ولكن، اليوم وعبر التقنيات البحثية والحوسبية الجديدة، انبعث الذكاء الاصطناعي التنازلي من مرقده. وبينما بدأ ما يعد به من إمكانات عظيمة تتحقق، ستسخر الشركات الكبرى أموالها لخدمة العقل.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!