غالباً ما يقول لي القادة إن فرقهم تعاني من مشاكل في إدارة الوقت. ويمكن أن يقول أحد المسؤولين التنفيذيين مثلاً أن فريقه لا يحرز تقدماً في المشاريع المهمة، ومع ذلك يبدو الموظفون مشغولين ومجهدين. وبذلك تصبح "إدارة الوقت" حلاً جامعاً لهذه المشكلة، ويريد المسؤولون توظيفي لتقديم إرشادات حول مواضيع مثل ترتيب الأولويات وكيفية استخدام جداول أعمالهم بشكل أفضل.

إن ما نكتشفه بعد فترة بسيطة من الوقت هو أن المشكلة الأساسية التي تعاني منها الفريق ليست في عدم إدارة الوقت، بل في إدارة الاهتمام. ولا تحدث مشاكل إدارة الاهتمام هذه نتيجة لفجوة في المهارات لدى الموظفين، إنما نظراً لمشكلة ثقافية عامة قامت القيادة العليا بتعزيزها بطريقة غير مقصودة أو على الأقل تغاضت عن وجودها.

ويعتبر تشتت الانتباه أحد أكبر المعيقات للعمل المعرفي ذي الجودة العالية، ويكلف قرابة تريليون دولار سنوياً. وتكمن الخطوة الأولى لعلاج هذه المشكلة في التعامل معها على أنها مشكلة ثقافة لدى الشركة، وهي تستدعي اهتمام كبار المسؤولين التنفيذيين.

بحسب خبرتي، يسمح الكثير من القادة عن غير قصد بوقوع الحالات التالية أو يقومون بتعزيزها، وهي حالات أربع تحد من قدرة الفريق على التركيز وإنجاز العمل على أكمل وجه.

يخلق القادة بيئة تقوض التركيز. منتجات العمل المعرفي هي الإبداع والأفكار والقرارات والمعلومات والتواصل، وتتطلب جميعها فترات طويلة من التركيز المتواصل. كما تمتلك الكثير من المكاتب ثقافة تعتبر المراسلات في مستوى مماثل للضرورة المفترضة ويتوقع الإجابة عنها فوراً، بغض النظر عن موضوع هذه المراسلات أو مصدرها.

ويحدث ذلك أحياناً نتيجة لأحد متطلبات خدمة العملاء، حيث تصدر القيادة تعليمات بأن يحصل الزبائن أو العملاء على إجابات عن جميع مراسلاتهم في الوقت المناسب. ولكن إذا لم يكن ذلك الوقت محدداً أو واقعياً، يتزايد الافتراض بأنه كلما تمت الإجابة بشكل أسرع، كان ذلك أفضل، ويعتبر العمل على ذلك فوراً هو الأفضل. ويجب على الموظفين متابعة الرسائل باستمرار لأنهم لا يعلمون فيما إذا كانت الرسائل الواردة هي من زبائن أم من أشخاص آخرين. ولذلك يتم العمل على جميع المهام الأخرى على نحو متقطع، بزيادة بين 30 – 120 ثانية، حول وقت تسليم الرسائل.

إن قولك "أخبرهم فقط بأنك تلقيت الرسالة ودعهم يعلمون أنك ستعود إليهم لاحقاً" لا يحل المشكلة لأنه ما زال على الموظفين متابعة رسائلهم ليعلموا فيما إذا كان ثمة حاجة لرد كهذا. وتتعاظم هذه المشكلة عندما يُعطى الموظفون شاشة حاسوب أخرى لاستخدامها في فتح بريدهم الإلكتروني، بينما يقومون بعملهم على شاشة أخرى. إن هذه بمثابة وصفة لتشيت انتباه دائم، وكأنها تحظى بمصادقة من القادة الذين يوفرون الأجهزة.

ولحل هذه المشكلة، حوّل المشاكل التي تواجه الزبائن أو العملاء إلى طاقم متخصص بخدمة الزبائن، يتمحور دوره بشكل أكبر حول المهمات التفاعلية. وقم بإفساح المجال للموظفين الفاعلين ليكون لهم الوقت المتواصل للتركيز حول مسؤولياتهم. وإذا لم يكن بمقدورك تحديد موظفين لأدوار خاصة تتمثل في الإجابة على الزبائن، عندئذ قم بإنشاء نافذة إجابة عملية، مثل أربع ساعات أو يوم عمل، ويمكن لك استخدام مجيب تلقائي يوجه العملاء للاتصال عند الحاجة إلى رد سريع. هل سيتركك زبائنك حقاً إذا لم تقم بالإجابة فوراً على رسائلهم عبر البريد الإلكتروني؟ عند التفكير في أوقات رد الزبائن، فكر في الأمر بهذه الطريقة: إذا كان زبونك يجلس أمام أحد موظفيك، عندها لا يكون الموظف بحاجة إلى التحقق من البريد الإلكتروني. إذاً، حتى لو لم يكن الزبون حاضراً، فإن العمل الذي تقوم به شركتك من أجله يستحق نفس القدر من الاحترام والاهتمام الكامل، أليس كذلك؟ وإذا كان الأمر على هذه الحال، يجب على فريقك أن يمتلك وقتاً للابتعاد عن المراسلات الواردة. وكما تبين الدراسات فإنّ إحدى الفوائد المضافة من ذلك هي أن هذا العمل سيتم إنجازه بسرعة أكبر وعلى نحو أفضل.

لا يقدم القادة تعليمات واضحة حول قناة الاتصال المناسبة لكل موقف. لم يتم تصميم البريد الإلكتروني للمراسلات العاجلة أو التي تتطب رداً في وقت محدد. ويمكن أن يكون التراسل الفوري وسيلة أفضل، لكنه يستخدم عادة للمسائل التافهة والقضايا المهمة وكل ما هو مشمول بينهما. وعند استخدام كل أداة اتصال في كل حالة، لن تكون ثمة طريقة لفحص المراسلات الواردة عدا التحقق من كل شيء بمجرد وصوله. وهذا ما يضمن أيضاً تشتت الانتباه بشكل دائم.

خذ بعين الاعتبار استخدام مجيب تلقائي أو تضمين سطر في توقيع بريدك الإلكتروني يرشد الزبائن حول كيفية التواصل معك بشأن المسائل العاجلة. وتأكد من ألا تحمل تلك المراسلات الداخلية توقعات حول الحصول على إجابة فورية، حيث يزداد تجنب الموظفون، وخصوصاً جيل الألفية، للمراسلات الهاتفية أو الشخصية، ولكن المعلومات الحساسة والعاجلة يفضل نقلها عبر هذه القنوات. وكذلك قم بتوفير إرشادات تتسم بالمرونة والدقة حول كيفية الاستخدام الفعال لجميع قنوات الاتصال بالشركة.

يقوم القادة بتعيين نفس الموظفين لاستقبال مشاكل الزبائن وحلها. ستواجه مشكلة إذا قام الموظفون باستقبال المشاكل وحلها، حتى لو عينت طاقماً متخصصاً ليكونوا بمثابة موظفي خط أمامي للزبائن. ففي نهاية المطاف، لن يكون بوسعهم تركيز اهتمامهم بالكامل على حل المشكلة إذا تعذر عليهم أخذ استراحة من استقبال مشاكل أكثر.

حاول تنظيم الأيام الخاصة بفريق الدعم لديك حتى يمتلك كل واحد من أعضاء الفريق وقتاً بعيداً عن الهاتف والبريد الإلكتروني ليتمكن من التعامل مع المشاكل بطريقة مدروسة وإنجاز أعمال أخرى مهمة. ويتمثل الخيار الآخر في تعيين شخص "للفرز" بحيث يتولى استقبال المشاكل وإحالتها إلى آخرين ليقوموا بحلها. وهذا ما سيؤدي على الأرجح إلى توليد شعور بالسعادة لدى العملاء. وعندما تتوفر لدى أعضاء الطاقم الوظيفي فرصة للتعامل مع المشاكل، فإنهم يكونون مستعدين بشكل أفضل لتحديد المشاكل التنظيمية والفرص لتحسين المنتجات والسياسات. قم بتدريب طاقم الموظفين على فهم أن خدمة الزبائن الجيدة لا تعني الإجابة عليهم خلال وقت محدد فحسب، بل أيضاً حل مشاكلهم بأكملها بطريقة لطيفة ومرضية.

لا يدرك القادة أن متابعة الأنظمة الداخلية ما زالت تعتبر عملاً، حتى لو ثمة حالة طوارئ نادرة. مررت بهذه التجربة في معظم الجلسات التدريبية التي ترأستها، حيث أقوم بتقديم الفكرة بأن مدة التوقف عن العمل والعطلة مهمتان لنجاح أصحاب المهارة المعرفية، وعندها يتحدث رئيس إدارة تكنولوجيا المعلومات، أو أي إدارة أخرى تتولى متابعة النظام، ويقول إن الشركة لن ينقطع التواصل معها نتيجة لخلل في النظام. ويتبع ذلك قول أحد أعضاء القيادة "لكن لا بأس في ذلك، حيث تحدث مثل هذه الحالات الطارئة نادراً".

إن هذا ليس على ما يرام، لأن متابعة العمل في حالات الطوارئ ما زالت تسير على ما يرام. وإذا كان لديك موظف يتوقع أن يكون متاحاً دون انقطاع على مدار العام تحسباً لحدوث أي "طارئ"، بذلك يكون هذا الشخص فعلياً لا يحصل على أي إجازة، حيث سيكون عليه متابعة مراسلات العمل "فقط للاحتياط". وفي حال لم تكن هناك أي حالة طوارئ، لا يزال هناك عمل آخر سيلاحظه الموظف. وإذا اختار عدم الإجابة، فإن دماغه سينشغل في العمل طول الوقت، ولن يتوفر له الوقت للاستراحة.

ولعلاج هذه المشكلة، يجب أن يكون لكل دور وظيفي في مؤسستك مساعداً موثوقاً. فعندما لا يتوفر شخص احتياطي يحل محل موظف ما، يتشكل خطر على العمل سواء في حال بقاء ذلك الموظف أم مغادرته. فإذا غادر الموظف آخذاً معه كل المعرفة في العمل، فقد يتطلب ذلك من مؤسستك أعواماً لاستعادة هذه المعرفة. وإذا استمر في مكانه، فمن المرجح أن يمر بحالة توتر عال (وهذا يؤثر سلباً على إنتاجيته) أو حالة إجهاد نفسي (ترغمك على استبداله على أي حال، بشكل مؤقت أو دائم).

إذا كنت قائداً وتعتقد أن موظفيك يمكن أن يكونوا يعانون من مشكلة "إدارة الوقت"، قم بالتأكد من هذه المسائل قبل كل شيء. فالخطوة الأولى قد تكون معالجة مشكلة ثقافة تتمحور حول إدارة الاهتمام لديك. وبينما يجد كثير من الموظفين مشاكل في إدارة الوقت والاهتمام، لن تأتي الحلول حتى يعالج القادة هذه القضايا الثقافية الكامنة وراءها.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!