لنواجه الحقيقة، قد يكون العمل مثيراً للتوتر. وسواء كان هذا التوتر ناجماً عن رؤسائك أو زملائك أو أعباء العمل ذاتها، فقد يكون الضغط أكبر من اللازم، حتى أنك انفعلت على زميلك، وفقدت أعصابك، بعد اجتماع شعرت فيه بنوبة عارمة من الإحباط.

قد تحاول التنصل من الأمر، واعتباره مجرد يوم سيئ، وتتابع مسيرك، متظاهراً أن شيئاً لم يحدث. إلا أن الآخرين لن ينسوا لك هذا الموقف بسهولة في أغلب الأحوال. وكما كتب روي باوميستر في مقاله الشهير "السيئ أقوى من الحسن" (Bad Is Stronger Than Good)، فإن التجارب السلبية تُعالج بصورة أعمق من التجارب الإيجابية، والانطباعات السلبية تتشكل بصورة أسرع، وتدوم لمدة أطول، مقارنة بالانطباعات الإيجابية. وللتخلص من هذا الداء، يتعين عليك التعامل مع الموقف بشيء من التواضع الممزوج بالحكمة. إليك كيفية فعل هذا:

كن صادقاً مع نفسك. الخطوة الأولى في التعامل مع هذا الموقف هي أن تنظر إلى نفسك بعين أمينة. هل كانت تلك تجربة عابرة، أم أنه شيء تكرر معك مرات عديدة؟ إذا كان فقدان الأعصاب سلوكاً غير معتاد عليك، فلا شك أن من يعرفونك حق المعرفة سينظرون إلى الموقف باعتباره نتاج عوامل ظرفية خارجة عن إرادتك. في تلك الحالة، قد يكون الاعتذار الصادق كافياً. لكن، إذا كان ذلك سلوكاً معتاداً منك، فأمامك طريق أكثر وعورة من أجل إعادة تأهيل سمعتك.

اعتذر. تتمثل الخطوة الثانية في الاعتذار عما بدر منك. ويُفضل أن تبادر بالاعتذار في أقرب فرصة ممكنة بعد الواقعة، حتى تقلص الوقت المتاح أمام الآخرين لكي يلوكوا فيه الأمر ويناقشوه مع زملائهم. وفقاً لنتائج بحث أُجري بمعرفة كل من روي ليويكي وبيث بولين وروبرت لاونت، فإن الاعتذار الحقيقي له ستة مكونات:

  1. إبداء الأسف.
  2. توضيح أسباب المشكلة.
  3. الاعتراف بالمسؤولية.
  4. التصريح بعدم تكرار الخطأ.
  5. تقديم عرض بإصلاح الضرر.
  6. طلب الصفح.

توصل الباحثون إلى أن قبول الطرف الآخر للاعتذار يتوقف على درجة الالتزام بهذه العناصر، وإن كانت ليست كلها على المستوى نفسه من الأهمية، فقد أثبتوا أن الاعتراف بالمسؤولية هو أهم عناصر الاعتذار. ولهذا حين تعتذر عن انفعالك على أحدهم، يتعين عليك أولاً تحمل مسؤولية فعلتك. لا تبرر أو تختلق أعذاراً. كن صادقاً في الاعتراف بأن سلوكك كان خاطئاً.

فيما توصلت الدراسة إلى أن ثاني أهم عناصر الاعتذار هو تقديم عرض بإصلاح الضرر. لذا يتعين عليك توضيح ما ستُقدم على فعله من أجل إصلاح الضرر الذي تسببت فيه. على سبيل المثال، إذا انفعلت على أحدهم أمام الآخرين، فاحرص على الاعتذار له، ثم اعتذر في الاجتماع التالي حين يكون الشهود كلهم حاضرين. أو بإمكانك بيان الخطوات التي ستتخذها لتلافي حدوث ذلك مستقبلاً.

فمثلاً، إذا لاحظت أنك تكون سريع الغضب في الأيام التي يزدحم فيها جدول أعمالك بالمهام المطلوب إنجازها، فاعمل جاهداً على حُسن إدارة عبء العمل، أو أكثر من فترات الراحة. وإن كانت تسارع باتخاذ مواقف دفاعية، فاطلب من الآخرين تنبيهك بلطف في الأوقات التي تصبح فيها أقل قبولاً لرؤاهم وتصوراتهم، حتى تستفيق إلى حقيقة موقفك في حينه. إذا كنت تجد صعوبة حقيقية في السيطرة على أعصابك، فيمكنك التعهد بطلب مساعدة مدرب شخصي لتطوير استراتيجيات تساعدك على السيطرة على ردود فعلك بشكل أكبر. ثم احرص على الوفاء بوعدك، فإن ظل سلوكك هذا يتكرر مرة بعد أخرى، فسرعان ما ستفقد اعتذاراتك قيمتها وتغدو غير ذات معنى.

اعرف ما الذي يثير غضبك. لتقليل فرص فقدان السيطرة على أعصابك مستقبلاً، يتعين عليك تحديد العوامل التي ساهمت في هذا السلوك. هل تحتاج إلى امتلاك مزيد من السيطرة على توترك بشكل عام؟ هل تميل إلى الاندفاع حين تشعر أنك موضع هجوم أو تحس بضعف موقفك؟ هل هناك أشخاص محددون يثيرون إحباطك؟ هل هناك مشكلات شخصية تطغى عليك في العمل وتجعلك أكثر اندفاعاً وحدة؟ بمجرد تحديد السبب ستكون في وضع يتيح لك تهيئة نفسك لمعالجته لتكون قادراً على التفاعل بشكل بَنَّاء مستقبلاً.

على سبيل المثال، إذا أدركتَ أنك تغضب عند الشعور بأنك موضع هجوم الآخرين، فبإمكانك تغيير رؤيتك وإدراك أن تنوع الآراء يساعد الفريق على حل المشكلات بشكل أكثر فاعلية. أو إذا أدركت أن طباعك تصير أكثر حدة عند عدم الحصول على قسط كافٍ من النوم، فبإمكانك تحسين عادات نومك (أو على الأقل، توجيه المزيد من الانتباه لسلوكك إذا تعرضت للأرق). إذا لاحظت أن عواطفك تُخرج أفضل ما فيك في لحظات الشد العصبي، فيمكنك ممارسة التنفس العميق عند الشعور بالتوتر، لتهدئ جسمك وتستطيع التفكير بذهن صافٍ في تلك الأوقات.

اثبت على موقفك. إذا أردت تغيير رأي الآخرين فيك، فعليك أن تواظب على إبداء هدوء الأعصاب. وهذا مهم، لأننا نميل، بفعل الانحياز التأكيدي، إلى رؤية سلوك الآخرين على النحو الذي تؤكده لنا معتقداتنا عنهم، مقابل تلك السلوكيات التي تتعارض معها. وهذا يعني أنك إن شوهدت في حالة انفعال أو غضب، فسوف يتجه الآخرون سريعاً إلى تمييز تلك المرة الوحيدة التي صحت فيها في وجه زميلك وسببته، مقابل المرات الأخرى كلها التي كنت فيها هادئاً ولطيفاً طوال الأسبوع. قد لا يكون ذلك منصفاً، لكن هذا ما يتعين عليك فعله لكي تغير انطباع الآخرين عنك.

رَكِّز على العلاقات. عندما تبني علاقات قوية مع من حولك، سيكونون أميل للعفو عنك في الزلات العابرة. ومن واقع خبرتي في العمل الاستشاري مع الأفراد والمؤسسات، كثيراً ما أسمع زملاء عمل مستعدين تمام الاستعداد للتجاوز عن انفعال عابر صدر من زميل تربطهم به عِشرة اجتماعية ممتدة وقوية، على عكس آخر لم يبذل جهداً لتوثيق علاقته بهم. وهذا منطقي، لأن ارتباطك بعلاقة قوية مع أحدهم يتيح لك إمكانية جمع بيانات متنوعة عنه تعطيك رؤية أشمل للفرد.

ومن ثمَّ، فإنك إذا أردت إعادة تأهيل سمعتك، فلا بد من التضحية ببعض الوقت لبناء علاقات صادقة مع الآخرين. وكما قال سقراط "إن السبيل لسمعة طيبة أن تحاول الظهور بالشكل الذي تريده". وعليه بمجرد أن تفقد أعصابك، لا ينبغي أن يقتصر هدفك على تغيير رأي الآخرين فيك فحسب، بل يجب أن يمتد ليشمل تعديل شخصيتك الحقيقية، لتكون سمعتك التي تسعى لبنائها انعكاساً حقيقياً لما أنت عليه فعلاً.

كن صبوراً. أخيراً، رغم أنك قد تتجاور الموقف سريعاً، فإن غيرك قد لا يفعل. ولذا، حتى لو التزمت بأفضل سلوك لأسابيع، فاعلم أن الآخرين قد يحتاجون إلى وقت أطول للاقتناع بأنك هذا التغير حقيقي.

عملت ذات مرة مع عميلة كانت تجد صعوبة في السيطرة على انفعالاتها في العمل. وبعد امتصاص الصدمة التي فاجأتها إثر تلقيها ملاحظات تفيد أن الآخرين يرونها فظة متقلبة المزاج، قطعت على نفسها عهداً بتغيير هذه النظرة. استخدمت أساليب الاستماع النشط، وركزت على بناء العلاقات، وبدأت ممارسة اليقظة الذهنية، وتدربت على حسن التعامل مع مصادر التوتر في حياتها. كانت تتقدم بوتيرة ممتازة، وشعرت بالفخر بنفسها إزاء هذا التطور.

لكن ما لبث أن قدمت إلى جلستنا محبطة بعد شهر واحد. لم تكن متأكدة من أن أحداً قد غيَّر رأيه فيها. كان هذا محبِطاً لها، نظراً للجهد الكبير الذي بذلته في تطوير نفسها مهنياً. إلا أنها واصلت بذل جهودها، وبعد بضعة أشهر تلقت ملاحظات تفيد أن الآخرين يقدرون سلوكها الجديد في العمل.

وكما أشرت سلفاً إلى ضرورة الثبات على سلوكك الجديد، يجب أن تتحلى أيضاً بالصبر، لأن الآخرين إذا ألفوا منك سلوكاً معيناً لوقت طويل، فسوف يستغرقون بعض الوقت لكي يلاحظوا التغيير في سلوكك ويصدقوا أنه تغير دائم. فحاول إذاً ألا تحبَط إن استغرق الأمر وقتاً أطول مما كنت تتوقع. اصبر، وسوف تلاحظ الفارق.

لا شك أن التخلص من عادة فقدان الأعصاب في العمل أمر صعب. لكن، رغم صعوبة تغيير رأي الآخرين فيك، فإنك تستطيع إنجاز المهمة بالاتساق السلوكي، والتركيز، والصبر.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2020

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!