يعد التفاوت في الأجور أمراً شائعاً في معظم أماكن العمل. فأنت بصفتك في موقع مسؤول، تتقاضى راتباً أعلى بكثير ممن هم أدنى درجة منك، في حين يتقاضى مديرك راتباً أعلى من راتبك، أما رئيس مديرك فراتبه أعلى من الجميع. وفي العديد من الشركات الكبيرة، قد يتقاضى بعض الموظفين راتباً يزيد بعشرات أو مئات المرات عن غيرهم من العاملين في الشركة نفسها.

وسواء راق لك ذلك أم لا، لا شك أن موظفيك تساءلوا في وقت ما عن راتبك – وكذلك عن الأجر الذي يتقاضاه زملاؤهم في العمل. فهل يجب أن يقلقك هذا الأمر؟ يلقي بحثنا الضوء على هذه المسألة ولقد خرجنا منه بنتائج قد تكون مفاجئة لك.

أجرينا تجربة على عينة تضم 2,060 موظفاً من جميع الدرجات الوظيفية لدى بنك تجاري آسيوي كبير، يُعد ممثلاً لمعظم الشركات في جميع أنحاء العالم لجهة بعض الأبعاد الرئيسة، بما في ذلك درجة التفاوت في الأجور وسياسة عدم الإفصاح عن الرواتب.

كان أول ما نظرنا إليه هو راتب المدير. طلبنا من الموظفين تخمين رواتب مدرائهم عن طريق استبانة عبر الإنترنت. ولإعطائهم الحافز لقول الصدق، عرضنا ​​تقديم مكافآت لمن يعطون تخمينات دقيقة. لقد أخطأت الغالبية العظمى من المجيبين في تحديد الرقم بفارق كبير (في المتوسط​​، يميل الموظفون إلى التقليل من حجم راتب مديرهم بنسبة 14%). وهنا بدأت الأمور تأخذ منحى مثيراً للاهتمام: استعنا برمي قطعة نقود افتراضية لنقرر إن كان علينا "تصحيح" معلومات أحد المستجيبين من خلال إعطائه معلومات دقيقة عن الراتب المقصود من سجلات الرواتب الرسمية للشركة. وهكذا، علم نصف المستجيبين مقدار ما يكسبه مديرهم فعلاً – وهو راتب أعلى مما كانوا يعتقدون في الأصل – في حين لم يعلم النصف الآخر بذلك.

فكر في الأمر بالطريقة التالية: لنفترض أن هناك اثنين من الموظفين (في الدرجة الوظيفية نفسها ولديهما الخبرة نفسها) يعتقدان أن مديريهما يحصلان على راتب يفوق راتبهما بثلاثة أضعاف؛ في حين أن مدير كل منهما يتقاضى في الواقع خمسة أضعاف هذا المبلغ. إنّ رمي قطعة النقود سيحدد بطريقة عشوائية مَن منهما سيعرف أن رئيسه يحصل على خمسة أضعاف ما يحصل عليه بالفعل، ومن منهما لن يعرف الرقم الصحيح. ثم يمكننا مقارنة السلوك اللاحق للموظفين المتشابهين، لنرى كيف تؤثر معرفة الموظف أن مديره يتقاضى أكثر بكثير منه على إنتاجيته.

لقياس سلوك هاتين المجموعتين من الموظفين، قمنا بتجميع بيانات "الختم الزمني" المتصلة بمواعيد العمل اليومية والبريد الإلكتروني وبيانات المبيعات للسنة التالية لمسحنا. وفوجئنا عندما وجدنا أن معرفة الموظفين أن مدراءهم يحصلون على أجور أعلى مما كانوا يعتقدون جعلتهم على ما يبدو يعملون بجد أكبر من أولئك الذين لم يعرفوا الراتب الحقيقي. وتشير تقديراتنا إلى أن اكتشاف أن راتب المسؤول في العمل أعلى بنسبة 10% مما كان متوقعاً في الأصل تجعل الموظفين يقضون ساعات إضافية أكثر بنسبة 1.5% في المكتب، ويرسلون رسائل إلكتروني أكثر بنسبة 1.3%، ويبيعون 1.1% أكثر. (كلما كانت المفاجأة أكبر، زاد تأثيرها؛ أي أن معرفة أن ما يكسبه المدير هو 50% أكثر كان تاثيرها أكبر بخمسة أضعاف).

تشير الأدلة إلى أنّ هذه التأثيرات كانت مدفوعة بالتطلعات. لقد كان تأثير معرفة راتب المدير أكبر بالنسبة للموظفين الذين عرفوا رواتب المدراء الذين كانوا على بعد عدد محدود من درجات الترقية منهم، والذين يمكن أن يطمحوا بصورة واقعية إلى الترقي لمنصبهم. ووجدنا أنه عندما يكون المدير على بعد أقل من خمس ترقيات، فإنه في مقابل كل زيادة بنسبة 10% في المرتب المتوقع للمدير، يقضي الموظفون 4.3% ساعات إضافية في المكتب، ويرسلون عدداً من رسائل البريد الإلكتروني أكثر بنسبة 1.85%، ويبيعون 4.4% أكثر. كما وجدنا أنه بعد معرفة أن هؤلاء المدراء يكسبون أجراً أعلى، شعر الموظفون بمزيد من التفاؤل بشأن الرواتب التي سيحصلون عليها بعد خمس سنوات في المستقبل. من ناحية أخرى، لم نجد أي تأثير على الجهد أو النتائج أو توقعات المرتبات عندما علم الموظفون عن أجور مدراء يتقدمون عليهم بعدد كبير من درجات الترقية (على سبيل المثال، معرفة أحد المحللين براتب المدراء التنفيذيين).

ولكن لا بد هنا من التحذير: أنه في حين بدا الموظفون قادرين تماماً على التعامل مع هذا التفاوت الرأسي، لم يكن تعاملهم جيداً بالقدر نفسه مع التفاوت الأفقي في الأجور.

في تجربتنا، طلبنا أيضاً من الموظفين تخمين متوسط ​​الراتب بين أقرانهم – أي الموظفين الآخرين في الدرجة نفسها والمنصب نفسه والعاملين في القسم نفسه. على الرغم من أن الموظفين قدّروا بصورة أفضل رواتب نظرائهم مقارنة مع رواتب مديرهم، إلا أن معظمهم أخطأ في التخمين. لقد رمينا قطعة نقد افتراضية ثانية لتقرر ما إذا كنا سنصحح الخطأ في تقدير راتب أقرانهم.

لقد وجدنا أن المعرفة بحصول الأقران على راتب أعلى له بالفعل تأثير سلبي على جهد الموظف وأدائه. إن معرفة أن الأقران يكسبون في المتوسط ​​أكثر بنسبة 10% مما كان متوقعاً في الأصل دفعت الموظفين إلى قضاء عدد من الساعات يقل بنسبة 9.4% في المكتب، وإرسال رسائل إلكترونية أقل بنسبة 4.3%، فيما انخفضت مبيعاتهم بنسبة 7.3%.

تقترح هذه الأدلة أنه قد لا يكون من الحكمة تحفيز الموظفين الأفراد بمجرد زيادة مرتباتهم. إذا قمت بزيادة راتب موظف واحد، فقد يجد ذاك الموظف أكثر في العمل في حين قد يبذل سائر أقرانه جهداً أقل. يمكنك تجنب ذلك عن طريق تحفيز الموظفين من خلال جعلهم يرون أن لديهم فرصة للحصول على راتب أعلى مرتبط بترقية. بعبارة أخرى، أبق المرتبات بين الموظفين الذين هم في المنصب نفسه في المستوى نفسه، ولكن اعرض عليهم زيادات كبيرة عندما تتم ترقيتهم إلى منصب أعلى.

يثير بحثنا السؤال التالي: هل يجب عليك زيادة الشفافية بشأن الأجور والرواتب في شركتك؟ على الرغم من أن استطلاعات الرأي تكشف عن رغبة معظم الموظفين في أن يتحلى أصحاب العمل بمزيد من الشفافية بشأن الرواتب، تحافظ غالبية الشركات على سياسة التكتم على الأجور. ولكن هناك القليل من الأدلة على كيفية تأثير الشفافية على النتائج التي يوليها المدراء أهمية. من المحتمل أن المدراء يختارون الحفاظ على سرية الرواتب لأنهم يعتقدون أنها في مصلحتهم في حين أن الأمر ليس كذلك في الواقع.

ربما ليس عليك أن تقلق أكثر من اللازم إذا اطلع أحد موظفيك على راتبك. مال الموظفون في دراستنا إلى التقليل من حجم رواتب مدرائهم ودفعتهم معرفة المبلغ الفعلي إلى العمل بجدية أكبر. يبدو أن هذه الدرجة من الشفافية أعطت الموظفين فكرة عما يمكن أن يصل إليه راتبهم لدى ترقيتهم وشكلت حافزاً لهم. لكننا بحاجة إلى مزيد من الأدلة لتحسين فهمنا لكيفية الاستفادة من الشفافية لتعزيز الإنتاجية ورضا الموظفين.

بالطبع، يجب أن نتذكر أن معرفة رواتب الآخرين مسألة حساسة، وبالتالي قد تكون الشفافية زائدة عن المطلوب. على سبيل المثال، أيد معظم الموظفين المشاركين في دراستنا زيادة الشفافية مع إغفال الأسماء عن طريق الإفصاح عن متوسط ​​الرواتب ارتباطاً بالمنصب الوظيفي. مع ذلك، عندما سُئل الموظفون أنفسهم عن رأيهم في زيادة الشفافية دون إغفال الاسم، بمعنى الإفصاح عن أسمائهم ورواتبهم، عارض معظمهم الأمر. وفي دراسة متابعة، وجدنا أن معظم الموظفين كانوا على استعداد لدفع مبالغ كبيرة من أجل إخفاء مرتباتهم عن زملاء العمل.

تشترط  العديد من التشريعات الأميركية التي تشجع الشفافية في الأجور بإعلان شفاف كامل وصريح للرواتب، مع الإفصاح عن أسماء من يتقاضونها. على سبيل المثال، تقوم بعض الولايات، مثل كاليفورنيا ونيويورك، بنشر قوائم عبر الإنترنت بكامل أسماء ورواتب موظفي الولاية. نعتقد أن النهج الأكثر حكمة هو ما طالب به المشاركون في بحثنا وهي الشفافية حول متوسط ​​الراتب لكل منصب، دون الإفصاح عن الرواتب الفردية.

نحن نشجعك على البدء في تجربة الشفافية في شركتك. تبدأ الخطوة الأولى بمعرفة ما يريده موظفوك. يمكنك معرفة ذلك من خلال استبانات مغفلة الاسم. اذكر فقط بعض البدائل التي ترى أنها ستعمّر ودعهم يختارون الأفضل بالنسبة لهم. على سبيل المثال، هل يشعر موظفوك بأنهم على اطلاع على ما ستكون عليه رواتبهم بعد خمس سنوات؟ هل يرغبون في معرفة متوسط ​​الراتب بعد ترقيهم درجتين أو ثلاث؟ بمجرد إلقاء نظرة على نتائج الاستطلاع، يمكنك تحديد المعلومات التي ستكشف عنها وكيف. تفيد النتائج التي توصلنا إليها أن معرفة الراتب المجزي الذي سيحصلون عليه بعد خمس سنوات هو الدفع الذي يحتاجه الموظفون ليبذلوا قصارى جهدهم في العمل.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!