يميل معظمنا عند التفكير في سبل تطوير أنفسنا خلال مسيرتنا المهنية إلى التركيز على الترقيات والمشاريع وحضور دورات تدريبية وحيازة الشهادات. نحن نسعى إلى توسيع نطاق أدوارنا والحصول على المزيد من المسميات الوظيفية الرفيعة والمزيد من المال، لكننا نغفل جزءاً أساسياً هاماً من لغز التعلم وهو: إحاطة أنفسنا على نحو استباقي بالأشخاص الذين سيدفعوننا لتحقيق النجاح بطرق لا نتوقعها، وبهذا نتمكن من بناء حياة غنية وهادفة حقاً ومليئة بالنمو والتميّز والتأثير.

في تسعينيات القرن الماضي، عندما كنت أعمل شريكاً بدوام كامل ضمن شركتنا التي تعمل في مجال البحث التنفيذي، تواصلت مع أحد أولئك الأصدقاء – وهو باحث وكاتب بارز – وعملت على توطيد صداقتنا لسنوات عديدة. ثم في العام 1998، وأثناء تنزهنا بمحاذاة نهر تشارلز في مدينة كامبريدج، فاجأني بطرحه عليّ مواجهة تحد، إذ اقترح أنه بالإضافة إلى عملي مع العملاء والأدوار القيادية التي أشغلها داخل شركة إيجون زيندر (Egon Zehnder)، يمكنني أن أجد معنى أكبر في حياتي (والانتشار على نطاق أوسع)، أي أنه بالاستعانة بمعرفتي وشغفي باكتشاف المواهب والتطوير يمكن أن أصبح كاتباً ومدرساً ومتحدثاً أمام جمهور. وقد أخذت بنصيحته التي غيرت حياتي إلى حد كبير على الصعيدين المهني والشخصي.

نحن نقضي عادة عقدين من الزمن على الأقل لاجتياز مرحلة دراستنا الرسمية وننفق، في الدول المتقدمة، مئات الآلاف من الدولارات على ذلك. ثم نختار الأماكن التي سنعمل فيها بعناية ونستثمر الكثير من الوقت والجهد في التدريب داخلها. إلا أنّ قلّة منا ينخرط في بحث متعمّد ومحدد عن أولئك الأفراد الذين يتصفون بالحكمة والذين يستطيعون، من خلال إلهامنا وتقديم النصيحة لنا، أن يجعلوا منا أشخاصاً آخرين بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

لقد شملت دائرة علاقاتي الديناميكية المكونة من مستشارين وأشخاص مقربين، بالإضافة إلى زوجتي ماريا وصديقي الذي حدثتكم عنه، العديد من الأكاديميين الآخرين في الولايات المتحدة، وأستاذ دراسات جامعية في الأرجنتين، ومدير إداري في شركة ماكنزي في إسبانيا، وزملاء يعملون في مكاتب شركة إيجون زيندر عبر الأميركيتين وأوروبا وآسيا. لقد ألهموني واحداً تلو الآخر في جميع مراحل مسيرتي المهنية بإمكانات مختلفة لم أكن لأتصورها أبداً، من تدريس الإحصاء إلى التقدم للحصول على درجة الماجستير في إدارة الأعمال، ومن أن أصبح مستشاراً استراتيجياً إلى قضاء ثلاثة عقود في شغل أدوار قيادية على مستوى العالم في البحث التنفيذي، ومن نشر الكتب إلى تدريس المسؤولين التنفيذيين في جامعة هارفارد.

كانوا رفاقاً لي خلال رحلتي؛ يقدمون آراء صادقة ويساعدوني على اكتشاف نفسي في شخصيات جديدة، ويدفعوني إلى أن أصبح شخصاً مختلفاً تماماً ولكن أفضل بكثير من ذاتي السابقة. إذاً، كيف يمكنك العثور على مجموعة مماثلة؟ إليك هذه الإرشادات التي يجب أن تساعدك:

فكر في الأشخاص الذين يلهمونك. يمكن أن يكون هؤلاء الأشخاص معلمين من اختصاصات معينة أو مخترعين أو رواد أعمال أو قادة أعمال تجارية أو اجتماعية أو عامة. شخصياً، لطالما دفعني وألهمني "أشخاص" معينين، وليس مهن مجردة فحسب. لقد "التقيت" بهم بادئ الأمر، وفي كثير من الحالات، من خلال قراءة أعمالهم أو القراءة عنهم، وأيضاً من خلال وسائل التواصل الاجتماعي وفي المؤتمرات.

لا تخف من ملاحقتهم. تُعتبر المؤتمرات مكاناً رائعاً لاستلهام الأفكار واتباع النهج والبدء ببناء علاقة مع بعض الأشخاص الذين تكون قد حددتهم سابقاً. وأيضاً، يكون التواصل عادة مع كبار الأكاديميين أسهل بكثير مما تعتقد. وقد تتطلب حالات أخرى استثماراً محدداً أكثر، فعلى سبيل المثال، سافرت ذات مرة ذهاباً وإياباً من العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس إلى مدينة صغيرة في ماساتشوستس لمقابلة صديقي ذاته الذي سبق والتقيته عند نهر تشارلز. وبينما قد تبدو لك هاتان الرحلتان الليليتان أمراً مبالغاً فيه؛ دعنا نفكر في مقدار الوقت الضئيل من الالتزام الذي يتطلبه ذلك مقارنة بما نستثمره في دراستنا، أو تكلفة الفرصة البديلة والإحباط نتيجة اختيارنا لمهنة سيئة، أو قرار البدء بوظيفة خاطئة.

استهدف مزيجاً من الأشخاص داخل وخارج شركتك. يمكن، ويجب، أن يحدث الكثير من التحول الإيجابي على نحو مثالي داخل شركتك، إلا أنّ الاتصالات الخارجية قد تكون لها فائدتها مثل التمتع باستقلالية أكبر، والحصول على منظور أشمل وآفاق جديدة جذرياً، فضلاً عن التواصل المحتمل بين العالمين الذي سيفيد الجميع.

كن صريحاً حول سبب اهتمامك. يعيش معظم الأشخاص العظماء حقاً حياة مليئة بعاطفة صادقة، وهم يريدون توسيع نطاق مهامهم. وفي معظم الأوقات، سيكون من دواعي سرورهم إلهامك ومساعدتك على فهم كيفية سد الفجوة بين الحلم والواقع.

سلهم من أين تبدأ تحديداً. بعد أن اقترح عليّ صديقي، الذي سبق وذكرته، شخصيتي المحتملة الجديدة، قدم لي بعض النصائح القيمة حول ما كان علي فعله. وقال لي: "أنت بحاجة إلى التحلي بثلاث سمات وهي: المقدرة، التي تمتلكها بالفعل، والتواصل، الذي يمكنك تحقيقه في البداية على الأقل من خلال شبكة شركتك الممتدة على نطاق العالم، والمصداقية، التي ليست لديك بعد. ومن أجل تحقيق الأخيرة، تحتاج إلى نشر مقالة رائعة في مجلة تتسم بالمصداقية، وليكون الأمر مثالياً أكثر انشر كتاباً". بعد ذلك مكنني من التواصل مع أحد كبار المحررين في مجلة هارفارد بزنس ريفيو، والذي عملت معه لنشر مقالتي الأولى تلك.

قدم لهم المساعدة على نحو استباقي. إنّ أولئك الرفاق العظماء الذين يقودوننا إلى عيش حياة أعظم يستحقون منا الأفضل. إذ إنني لطالما عرضت عليهم مساعدتي دون شروط، وتضمّن ذلك أن أصبح أستاذاً مساعداً متطوعاً، وأن أجري بحوثاً مكثفة لمدة عام كامل من أجل كتاب جديد لأحد الأشخاص، وأن أصبح ناقداً لأحد مؤلفي الكتب الأكثر مبيعاً، وأكثر من ذلك. وإنني كلما أتلقى رسالة منهم، أترك كل شيء أفعله وأستجيب لهم على الفور. لقد فعلت ذلك باستمرار بسبب شعوري بالامتنان نحوهم، ولكن كما هو الحال دائماً، عاد عليّ ذلك أيضاً في شكل تعلم وفرص وتكوين صداقات أعمق.

حاول إجراء المحادثات الهامة في ظل بيئة مناسبة. يساعدك مقابلة الأشخاص وجهاً لوجه دون ملهيات على الوصول إلى مستوى من الألفة لا يمكن تحقيقه ببساطة عن بعد. وأودّ إضافة أنّ العديد من اللحظات التي غيرت حياتي حدثت أثناء تنزهي مع أصدقائي الذين أثق بهم في أحضان بيئة جميلة، سواء بمحاذاة نهر أو في الريف أو على الشاطئ أو على امتداد جبل مغطى بالثلوج أو عبر قرى هادئة. وقد فعلت ذلك مع أحد زملائي في شركة إيجون زيندر في أكثر من 30 مكاناً مختلفاً من العالم. إنّ الجمع بين ممارسة الرياضة والطبيعة يجعلني أكثر نشاطاً وحماساً وإيجابية، وبالتالي أكثر استعداداً للنظر في إمكانات جديدة.

لا تتردد في طرح الأسئلة الكبيرة بالفعل. ما الذي عليّ فعله في حياتي؟ ما الذي يحفزني حقاً؟ ما الذي أفعله ولكني لا أرغب حقاً في فعله؟ بينما أتأمل في هذه الأسئلة، وبالإضافة إلى التحقق من إمكاناتي وقدرتي على التواصل ومصداقيتي، فإنني أشرك أصدقائي أيضاً في محادثة حول ثلاثة أمور أخرى: التأمل (هل أنا على اتصال مع توجهي الداخلي؟)، والتعاطف (هل أظهره لنفسي والآخرين؟)، والرفاق (مَن هو الشخص الآخر الذي قد يلهمني نحو تحقيق نمو جديد؟).

إنّ البحث الاستباقي عن أولئك الذين سيساعدوننا في أن نصبح النسخة الأفضل من أنفسنا وتوطيد العلاقة معهم هو، بفارق كبير، مفتاح عيش حياة سعيدة وهادفة حقاً. وإنني آمل بكل صدق أن تكون هذه الإرشادات مفيدة لك أنت أيضاً.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!