منذ عام 2003، ضبطت منظمة الأمم المتحدة على الساعة العالمية منبهاً سنوياً في التاسع من ديسمبر/ كانون الأول لتذكير الأفراد والمؤسسات والحكومات حول العالم بأهمية مكافحة الفساد. وفي بحث بعنوان "الفساد والنمو والحوكمة: الشركات الخاصة مقابل الشركات الحكومية في فيتنام" أكد ماثيجز فان دايك وتوي تي نجوين أن الدول المتقدمة والنامية تعاني على حد سواء من الفساد وتبذل جهوداً قيمة وتحسينات مستمرة لمحاربته. لقد عرّف الفساد من قبل منظمة الشفافية الدولية بأنه "إساءة استخدام السلطة الموكلة لتحقيق مكاسب خاصة". وأوضحت منظمة الأمم المتحدة أن نطاق آثار ظاهرة الفساد يتجاوز الاقتصاد المحلي للاقتصاد العالمي، وأكدت على ضرورة التعاون الدولي، والعمل على برنامج شامل ونهج تكاملي لمكافحة ومنع الفساد، وذلك كما أكد كسابنج ساو وأخرون في بحث بعنوان: "حملات مكافحة الفساد وإصدار معلومات حول الشركات في الصين".

اشترك رقمياً اليوم ونحن نضمن لك تحقيق الفائدة، وإن لم تحقق الاستفادة المرجوة من اشتراكك، يمكن إلغاؤه في أي وقت واستعادة المبلغ للمدة المتبقية من الاشتراك.

قام العديد من الباحثين في دراسة العلاقة بين الفساد على مستوى الشركات والأداء المالي في الكثير من الدراسات الأكاديمية والعملية، حيث أكدت بعض الدراسات أن بعض الشركات والمدراء يرون أن هناك أثراً إيجابياً للفساد على الأداء المالي للشركات، معتبرين الرشاوى والتكاليف غير القانونية الأخرى بمثابة ثمن لدخول أسواق جديدة. بمعنى آخر، اعتبر بعض المدراء أن الرشاوى ما هي إلا تكلفة الانضمام إلى السوق في وقت متأخر وخلق فرصة لتكوين حصة فيه، وذلك كما أوضح دوجلاس نورث في كتابه الذي بعنوان: "المؤسسات والتغيير المؤسسي والأداء الاقتصادي". علاوة على ذلك، أشار باحثون آخرون إلى أن الفساد يفيد في تقليص وقت إنجاز المعاملات ويساعد في تجاوز البيروقراطية، ما يعزز نمو الأداء المالي للشركات، وهذا ما أكده فيرجين فيال وجولين هانوتو في بحثهما "الفساد ونمو المصانع والمفارقة الآسيوية: الدليل الإندونيسي". في حين أوضح جاليت دي جونغ وآخرون في مقالهم الذي بعنوان: "من هم رواد الأعمال الراشون وما الذي يحصلون عليه منها؟ أدلة استكشافية من فيتنام" أن تكلفة الفساد قد تعتبر استثماراً في بناء علاقات متبادلة في السوق وأن للفساد أثراً إيجابياً على قدرة الشركات على الوصول إلى أسواق أو قطاعات جديدة.

قد تكون جميع الآراء السابقة مناسبة للأهداف قصيرة المدى، ولكن على العكس من ذلك، فإن العديد من الباحثين وثّقوا بشكل دقيق أن للفساد أثاراً سلبية وجوهرية على الأداء المالي للشركات. لأن الفساد يشل حركة الأعمال التجارية بطرق عديدة؛ على سبيل المثال: زيادة تكلفة التشغيل بسبب الدفعات غير القانونية وتعريض سمعة الشركة للخطر، كما أن الفساد يقلل من نمو الأعمال التجارية ويؤثر سلباً على الثقافة الأخلاقية في الشركات، وذلك كما ذُكر في بحث بعنوان: "الفساد وأنواعه في ظل الأداء المالي الثابت: دليل جديد من الاقتصاد الانتقالي" للباحث هونج فان فو وآخرون. وأضافت الدراسات أن الرشاوى والفساد يمكن أن يؤخر كل منهما المعاملات ويزيد من حدة البيروقراطية، حيث يحاول الفاسدون تأخير المعاملات لابتزاز الشركات من أجل الحصول على المزيد من الرشاوى. وأضاف باحثون آخرون أن سلوك الفساد يغير بوصلة اهتمام وجهود الشركات من تطوير إنتاجية وتحسين كفاءة العمليات إلى الاعتماد بشكل أكبر على الممارسات غير النزيهة والرشاوى في عملياتها، ما يؤثر بشكل سلبي في قدرة الشركات على المنافسة وبقائها في السوق ويقلل من كفاءتها على المدى الطويل، كما أكد كيفين مورفي وآخرون في بحث: "لماذا البحث عن الإيجار مكلف للغاية بالنسبة للنمو؟".

تواجه في الوقت الحالي الشركات مزيداً من الضغوط من أجل الشفافية، الأمر الذي يتطلب الكشف عن الأنشطة والسياسات المتبعة لمكافحة الفساد. منها مبادرة بعنوان "انشر ما تدفعه"، حيث شكلت هذه المبادرة من قبل أكثر من 200 مؤسسة غير حكومية في جميع أنحاء العالم تطالب بإجبار شركات النفط والتعدين والغاز على الكشف عن المبالغ غير الشرعية التي تدفعها الشركات للحكومة، وهذا ما أوضحه سيزر ساينز وهيلين براون في بحثهما "الكشف عن جوانب مكافحة الفساد في شركات قطاع التشييد". إضافة إلى ذلك تبذل العديد من الدول جهوداً مستمرة وحثيثة لمكافحة الفساد وزيادة الشفافية. وتعتبر الإمارات العربية المتحدة من الدول المتميزة في مكافحة الفساد، حيث أشار مؤشر مكافحة الفساد (CPI) الذي تعده منظمة الشفافية الدولية (TI) إلى أن ترتيب الإمارات العربية المتحدة تحسن من المركز 37 من أصل 133 دولة في عام 2003 ، إلى المركز 21 من أصل 180 دولة في عام 2019. وقد تحقق هذا التقدم في الترتيب العالمي من خلال الجهود البارزة التي تبذلها حكومة الإمارات لمكافحة الفساد. ابتداء من القانون الفيدرالي 4/2002 الخاص بمكافحة غسيل الأموال والقوانين الفيدرالية الأخرى لمكافحة الرشوة والفساد، وصولاً إلى تأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة هيئة أبوظبي للمحاسبة (ADAA) في عام 2008، والتي تهدف إلى مكافحة الفساد المالي والإداري. وتعد الهيئة مسؤولة عن ضمان إدارة الموارد بكفاءة في المؤسسات العامة، وإنتاج تقارير مالية موثوقة، والتحقيق في قضايا الفساد، وتعزيز القيم الأخلاقية والإجراءات المحاسبية والشفافية.

وانطلاقاً من هذا الاهتمام العالمي والضغوط الكبيرة لتحقيق مستوى أعلى من الشفافية والنزاهة، قمنا بدراسة مدى إفصاح البنوك عن مكافحة الفساد وأثره على أداء البنوك في الإمارات العربية المتحدة، وتوصلنا إلى أن معدل تلك الإفصاحات منخفض في البنوك الإسلامية والتجارية على حد سواء، فقد أظهر التحليل الإحصائي للتقارير المالية المنشورة للبنوك أن معدل الإفصاح عن سياسات مكافحة الفساد في البنوك الإسلامية هو 13%، أما في البنوك التجارية فهو 12.4%، وعليه يكون معدل الإفصاح في البنوك الإسلاميه والتجاريه معاً 12.5%، وهذه النتائج جاءت لتؤكد ما خلصت إليه دراسة أيمن العيسى وأنطونيو العلياني التي بعنوان: "إفصاح الشركات عن ممارسات مكافحة الفساد: دراسة للشركات الاجتماعية المسؤولة في مجلس التعاون الخليجي"، إذ توصلت الدراسة إلى أن منطقة الخليج العربي تحتاج المزيد من التركيز على إقرار قوانين إلزامية تهدف إلى رفع الإفصاحات المتعلقة بالفساد ومحاربته في الشركات، حيث قاما بدراسة التقارير المالية لـ 66 شركة، وبينت نتائج دراستهما أن مستوى الإفصاح لدى الشركات التي شملتها العينة متدنٍ ويشمل إفصاحات حول مكافحة الفساد والرشاوى والاستدامة. 

وقد قمنا بإضافة وجود علاقة سلبية بين الإفصاح عن مكافحة الفساد والأداء المالي للبنوك، أي أنه كلما زادت الإفصاحات المتعلقة بمكافحة الفساد كان الأداء المالي أكثر سوءاً. وربط الباحثان هذه العلاقة السلبية وبين سلوك مستخدمي التقارير المالية، حيث إن مستخدمي التقارير المالية يبدون قلقاً من أي معلومة تتعلق بالفساد حتى لو كانت عن مكافحة الفساد، إذ يرى المستخدمون أن الإفصاح عن مكافحة الفساد يمكن أن يكون مؤشراً على وجود حالات فساد فعلية في المؤسسة. وأخيراً، أوصت الدراسة أن تتخذ الإمارات خطوة أخرى نحو التميز بمكافحة الفساد عن طريق تطوير إطار مفاهيمي واضح وشامل للإفصاحات المتعلقة بمكافحة الفساد على مستوى الشركات، يهدف إلى تحديد معايير موحدة على مستوى الدولة للإفصاحات الإجبارية الخاصة بمكافحة الفساد، ومراقبة مدى التزام الشركات بهذه المعايير، والعمل على تنفيذ أنشطة توعوية لمستخدمي التقارير المالية فيما يتعلق بإفصاحات مكافحة الفساد.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2020

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!