نعلم جميعاً أن تطوير مهارات التفكير الاستراتيجي أمر مهم، لكن الكثيرين لا يدركون مدى أهمية إظهار هذه المهارات لرئيسك في العمل وغيره من كبار المسؤولين، وأثره على تعزيز تقدمك في مسارك المهني. إذ إنّ إظهار مهارات التفكير الاستراتيجي لرؤسائك يُثبت قدرتك على التفكير المستقل واتخاذ القرارات التي تؤهل المؤسسة للتعامل مع تحديات المستقبل. إنه يؤكد لهم أن قراراتك لا تأتي من فراغ، لكنك تأخذ في الحسبان كيفية تأثر الإدارات الأخرى بها واستجابة العالم الخارجي لها.

عندما أساعد عملائي الذين يتدربون معي على تعلم التفكير بطريقة أكثر استراتيجية، أؤكد لهم أن اكتساب وإظهار هذه المهارات يمثلان تحديين مختلفين للغاية.

  • يتطلب اكتساب مهارات التفكير الاستراتيجي التعرف على الأدوار الاستراتيجية واستنطاق البيانات الغزيرة وحب الاستطلاع واكتساب الخبرات التي تسمح لك بتحديد الأنماط والربط بين المعطيات بطرق جديدة. لذلك غالباً ما تتضمن برامج تطوير الإمكانات والمهارات القيادية تطبيق منهجية التناوب بين الوظائف، والعمل في مشاريع متعددة التخصصات، والتفاعل مع كبار القادة – كل هذه العوامل من شأنها أن تسهم في تسريع اكتساب مهارات التفكير الاستراتيجي.
  • أما إظهار التفكير الاستراتيجي، من ناحية أخرى، فيتطلب منك القدرة على تسويق مهاراتك وإقناع الغير بها وإثبات قدرتك على تحفيز التغيير. فالتعريف الاستباقي وواسع النطاق بجهودك الاستراتيجية جنباً إلى جنب مع شجاعة تحدي الآخرين وبلورة أفكارك الاستراتيجية وتعزيزها هي ما يلفت إليك أنظار رئيسك وزملائك.

وإليك حالة أحد العملاء الذين يتدربون معي والتي توضح الخطوات التي يتعين عليك اتخاذها لإظهار مهاراتك في التفكير الاستراتيجي. أعرب حازم فهمي (ليس اسمه الحقيقي)، نائب رئيس سلسلة التوريد الأميركية لشركة منتجات طبية، عن أمله في الحصول على منصب النائب الأول لرئيس لسلسلة التوريد على مستوى العالم، لكنه شعر بأن مناقشة ترقيته قد توقفت. يتمتع حازم بسمعة طيبة في الاستجابة لطلبات وحدة الأعمال، وقد عمل دون كلل وبجد للحفاظ على الأداء المتميز لسلسلة التوريد. لذلك فوجئ بتلقي إفادة غير رسمية من رئيس قسم الموارد البشرية، وهو زميل وصديق قديم، بأن بعض المسؤولين التنفيذيين المؤثرين قد أعربوا عن قلقهم من أن حازم "لم يكن يتمتع بمهارات التفكير الاستراتيجي بدرجة كافية". شعر هؤلاء التنفيذيون بأن حازم يجيد الحفاظ على سير العمل، لكنه لم يدفع التغيير الاستباقي في المؤسسة أو وضع رؤية استراتيجية لسلسلة التوريد. كان حازم يمتلك مهارة متميزة في التفكير الاستراتيجي، لكنه لم يفعل ذلك بطريقة تمكّن رؤساءه من ملاحظته. ومن هنا قرر التعاقد مع مدرب تنفيذي لمساعدته على تعلم كيفية إظهار هذه المهارات.

اطرح وجهة نظرك على الطاولة

يريد قادتك أن يعرفوا رأيك، وهم ينظرون إلى مدى أهليتك للترقية من خلال مدى استعدادك لاتخاذ قرارات مصيرية. اسأل نفسك: "هل يعرف الناس موقفي؟"، وبذلك يمكنك شحذ قدرتك على إظهار هذه المهارة.

بذل حازم جهوداً حثيثة لتحديث فهمه لمختلف التوجهات وتحديث شبكة علاقاته المهنية، ولكنه أدرك أنه لم يكن يستفد من المعرفة المكتسبة بالشكل المطلوب. كان أول التغييرات التي أجراها هو توجيه مساعده لتخصيص 30 دقيقة من جدول أعماله قبل الاجتماعات المهمة. كان يعلم أن عدم وجود وقت كاف لجمع أفكاره قبل الذهاب إلى الاجتماعات جعله يبدو غير مستعد الاستعداد الأمثل وأقل قدرة على التعبير عن آرائه وبلورة أفكاره ومشاركتها. فقط نصف ساعة، مرة أو مرتين في الأسبوع، سوف تتيح له تكوين وجهة نظر حول القضايا المهمة.

بدأت جهود حازم تؤتي ثمارها بمرور الوقت، وتمكن من تحويل مساهماته في اجتماعات المسؤولين التنفيذيين من مدخلات تشغيلية إلى مدخلات استراتيجية. لقد خصص القليل من الوقت لتجميع أفكاره وصياغتها في شكل رؤية محددة للمؤسسة وإشراك أقرانه في مناقشات جديدة حول كيفية تأثير رؤيته على مجالات عملهم.

كما أن زيادة وضوح الرؤية عززت أيضاً فاعلية حازم كمشرف. إذ استطاع رؤية إلى أي مدى يفتقر فريقه إلى المهارات اللازمة لدعم الرؤية. الآن، بدلاً من إجراء مناقشات بأسلوب رد الفعل مع شريكه في الموارد البشرية، تمكن من المشاركة بأسلوب المبادرة الاستباقية في مناقشات التوظيف الاستراتيجي وفرص تطوير المهارات القيادية لفريقه. إن إظهار قدرتك على التفكير الاستراتيجي في التوظيف وتنمية المواهب وسيلة مؤكدة للفت أنظار قادتك إليك.

أظهر أنه يمكنك بدء الابتكار وإحداث تغيير استراتيجي

لكي يُنظر إليك كمفكر استراتيجي، يجب عليك أيضاً إثبات قدرتك على استخدام معرفتك بكيفية وضع الأفكار الجديدة موضع التنفيذ. بغض النظر عن مستواك، يمكنك إظهار التفكير الاستراتيجي من خلال تنفيذ مشروع مبتكر يوضح أن فهمك يتجاوز مهمات وظيفتك الحالية.

استطاع حازم توجيه الطاقة الجديدة والرؤية التي اكتسبها في عملية التخطيط الاستراتيجي التي توجت بالتوصيات الرسمية لمجموعة سلسلة التوريد. ونجح حازم في التعريف بالمشروع ومعالمه الرئيسة في مختلف أفرع المؤسسة، ما لفت نظر فريق المسؤولين التنفيذيين إلى قدرته على قيادة المبادرات الاستراتيجية، في السابق كان حازم ليبقى وراء الكواليس. وكانت جرأته في طرح تغييرات تحقق قيمة مضافة تحولاً موضع ترحاب من جانب حازم وزملائه، حيث شعر حازم بأنه يتمتع بقدر أكبر من التحكم، وأظهر ثقة أكبر لأنه لم يعد يكتفي بالتفاعل مع اقتراحات الآخرين وقضاياهم بأسلوب رد الفعل، كما أعرب زملاؤه عن تقديرهم لمساهماته لأنه بدأ بطرح تحسينات دون توجيه منهم.

استغرقت رحلة حازم لإظهار قدرته على التفكير الاستراتيجي وقتاً أطول مما كان متوقعاً، ولكن مع مرور الوقت، لاحظ رئيسه وزملاؤه وفريقه التغييرات ونظروا إليها بشكل إيجابي. تمت ترقية حازم إلى المنصب العالمي بعد عام واحد، وفي نهاية المطاف كان أكثر استعداداً لأداء المهمات المنوطة بمن يشغل هذا المنصب.

منقول بتصرف من دليل هارفارد بزنس ريفيو للتفكير الاستراتيجي بقلم نينا بومان.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!