متى كانت آخر مرة التمست فيها مشورة شخص ما؟ ربما عندما كنتَ تتخطى موقفاً صعباً في العمل، أو عندما كنت تبحث عن وظيفة جديدة، أو تشتري شيئاً مهماً. غالباً ما نركّز في هذه المواقف على جمع أكبر كمّ من المعلومات بهدف اتخاذ أفضل قرار. وهو ما يدفعنا إلى اللجوء لمجموعة قليلة أو كثيرة من الأشخاص بغية الحصول على وجهات نظر مختلفة. وقد أظهرت الأبحاث أن الاستفادة من "حكمة الجماهير" قد تقود المرء إلى اتخاذ قرارات أكثر دقة. ولكن هل من الممكن أن يقودنا التماس نصيحة الأفراد إلى نتائج عكسية؟ في الواقع، يشير بحثنا الأخير المنشور حول السلوك التنظيمي وعمليات اتخاذ القرار البشري إلى احتمال حدوث ذلك.

لا شك في أن اتخاذ القرار "الصائب" أمر مهم، ولكن الانطباعات التي نشعر بها والعلاقات التي نبنيها مع مقدمي المشورة تنطوي على القدر نفسه من الأهمية. ونظراً إلى أننا نلتمس مشورة الأفراد الذين يتمتعون بمكانة أعلى من مكانتنا الاجتماعية بشكل عام، فقد يكون لتصوراتهم حولنا تأثير كبير على مستقبلنا.

حاولنا في سلسلة من الدراسات أن نفهم العواقب الشخصية لاستراتيجيات الأفراد المتّبعة في التماس المشورة من خلال دراسة كيفية تفاعل مقدمي المشورة معهم. وطلبنا، في إحدى الدراسات، من 200 عامل في الولايات المتحدة، أن يتذكروا وقتاً التمس فيه أحد الأفراد مشورتهم، وكان هؤلاء العمال إما الشخص الوحيد أو أحد عدة أشخاص قصدهم طالبو المشورة بهدف الحصول على الرأي. ثم سألنا هؤلاء العمال عن انطباعاتهم حول طالب المشورة، وعن مدى وثاقة علاقتهم بعد الحديث، وعن مدى استعدادهم لتقديم التوجيه إلى الشخص نفسه في المستقبل.

ونظراً إلى شيوع استراتيجية التماس الأفراد لآراء ثانية وثالثة، توقعنا من مقدمي المشورة تقييم متّبعي هذه الاستراتيجية بأنهم أكثر كفاءة. إلا أننا توصلنا إلى نتائج عكسية، إذ قيّمت مقدمو المشورة متّبعي استراتيجية التماس النصح بأنهم أقل كفاءة، وأشاروا أيضاً إلى شعورهم بالبعد الاجتماعي عنهم في وقت لاحق، وكانوا أقل اهتماماً بتقديم المشورة لهم في المستقبل.

ما الذي أثار رد الفعل السلبي هذا؟ لقد افترضنا أن مقدمي المشورة آمنوا فعلاً بالاحتمالية المنخفضة المتمثلة في عدم قيام طالبي المشورة باتباع نصائحهم. وأنه كلما زاد عدد الأشخاص الذين يلتمس الفرد مشورتهم، قل احتمال اتباعه لأي نصيحة تُسدى إليه. كما يميل مقدمو المشورة عادة إلى تقدير قيمة أنفسهم وآرائهم الخاصة، والشعور بأهمية مكانتهم عند التماس مشورتهم. وبالتالي، قد يشعر هؤلاء الأفراد بالإهانة من فكرة تجاهل نصائحهم، ويُطلقون أحكاماً سلبية على الطرف المسيء، وينأون بأنفسهم بعيداً عنه.

وأجرينا دراسة حول العلاقة بين قرارات طالبي المشورة المتخذة والسلوك اللاحق لمقدمي المشورة، وذلك في سلسلة من خمس تجارب، شارك فيها 1,362 شخصاً. ونظرنا فيما إذا ما كان طالبو المشورة قد اتبعوا توصيات مقدمي المشورة أم تجاهلوها. ووجدنا أن مقدمي المشورة الذين تم تجاهل اقتراحاتهم شعروا بالإهانة، وكانوا أكثر احتمالاً لقطع علاقاتهم مع طالبي المشورة. كما أنهم شعروا أيضاً بانعدام الثقة في قدراتهم ووضعهم الاجتماعي.

ثم أجرينا تجربة أخرى منضبطة، بغية استكشاف العلاقة بين ردود الفعل السلبية هذه والخوف من الرفض الناجم عن وجود عدة مقدمين للمشورة. وشارك في هذه التجربة 186 عاملاً من ذوي الخبرة من منصة تعهيد جماعي عبر الإنترنت، وهي منصة "أمازون ميكانيكال تورك" (Amazon Mechanical Turk)، وأخبرناهم أن أحد العمال المبتدئين يلتمس مشورتهم بشأن استخدام المنصة. واعتقد نصف العمال أن العامل المبتدئ كان يلتمس مشورتهم فقط. بينما اعتقد النصف الآخر أن الشخص كان يلتمس مشورة أربعة خبراء آخرين فقط. وقد كان دور المبتدئ معداً مسبقاً في الواقع.

ثم سألنا مقدمي المشورة عن مدى احتمال اتباع هذا العامل المبتدئ نصائحهم. كما طلبنا منهم تقييم كفاءة طالب المشورة، ومنحناهم فرصة اختيار مواصلة العمل معه أو العمل مع شخص آخر في مهمة لاحقة. ووجدنا أن مقدمي المشورة آمنوا بالفعل باحتمالية تجاهل طالب المشورة لنصائحهم، كما اعتبروا أن طالب المشورة المبتدئ هذا كان أقل كفاءة، وكانوا أكثر احتمالاً لاختيار شريك مختلف.

وبعد أن توصلنا إلى هذه العاقبة الشخصية المهمة لاتباع حكمة الجماهير، أو ببساطة تجاهل النصائح، أردنا أن ندرس مدى انتشار سلوك التماس المشورة هذا، آملين أن يدرك الأفراد خطورة هذه الاستراتيجيات ويتجنبونها. ولكن، عندما أجرينا استطلاعاً على 119 موظفاً بدوام كامل عبر مجموعة من الصناعات الأميركية، والذين التمسوا مشورة أحد ما في يونيو/ حزيران الماضي، أفاد 58% منهم أنهم التمسوا مشورة عدة أفراد، وأفاد 52.9% منهم بتجاهل التوصيات التي تلقوها.

لماذا تجاهل طالبي المشورة قد تولد رد فعل عكسي؟ يكشف بحثنا أن طالبي المشورة لا يتفقون بالضرورة مع الأشخاص الذين يُسدون إليهم النصح عندما يكونون على دراية بالهدف من سعيهم لالتماس النصح. ووجدنا، في دراسة أخرى، أن أولئك الذين يلتمسون المشورة يريدون ببساطة جمع المعلومات وتوسيع مجموعة الخيارات التي ينظرون فيها، في حين ظن أولئك الذين يقدمون المشورة أن واجبهم ينطوي على تقديم التوجيه الذي من شأنه أن يعمل على التقليل من الخيارات. إذ يتوقع مقدمو المشورة أن يتبع الأفراد الدرب الذي ينيرونه لهم، بدلاً من تسليط الضوء على منطقة عامة.

وما توحي به هذه الدراسات كلها هو أنه ينبغي على ملتمس المشورة توسيع نطاق نظره في العواقب المحتملة لطلب المشورة. وإضافة إلى التفكير في هوية مقدم المعلومات، يجب عليه التفكير في رد فعله أيضاً في حال تجاهل اتباع نصائحه. وقد يكون من المفيد أيضاً اتباع نهج الشفافية عند تحديد هدفك، إذ إن توضيح سبب طلبك للمشورة قد يساعد في تحديد مسار المناقشة وتوقعات الإجراءات التي ستتخذها في المستقبل. يمكنك أن تقول على سبيل المثال "أرغب في تحديد الخيارات المتاحة كلها".

ويجدر على مقدمي المشورة فهم هدف ملتمسي المشورة العام بهدف الرد على أولئك الذين يُعانون من التحيز الأناني منهم بشكل أفضل. في النهاية، يرغب معظمنا في مساعدة من يطلبون المشورة بصدق، وقد لا تكون توصياتنا هي الأفضل دائماً.

هل تريد نصيحتنا؟ من المفيد النظر في الأهداف الأوسع للسعي نحو الحصول على المشورة، إذ قد يؤتي ذلك بثماره على كل من ملتمسي المشورة ومقدميها على حد سواء.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2020

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!