أنا إنسان ينشد الكمال، على الرغم من الكتب المعتبرة التي تدعوني إلى الكف عن ذلك مثل "التغلب على عقدة الكمال" (Overcoming Perfectionism) و"مثاليون حتى الموت" (Perfecting Ourselves to Death). وبصفتي طبيباً نفسياً متخصصاً في اضطراب الوسواس القهري، فقد عملت مع مرضى لمساعدتهم على وجه التحديد من أجل التخلي عن نزوعهم لأن ينشدوا المثالية والكمال. لكنني أدركت أن وجهات النظر السلبية عن الكمال لا تترك صدى مقنعاً على مسامعهم ولا على مسامعي كذلك. في الواقع، أنا أعتبر الآن الكمالية واحدة من أكثر صفاتي قيمة.

وأعتقد أن نية معظم المثاليين، من ينشدون الكمال، هو القيام بالأمور على أحسن وجه، وباختصار التفوق. تظهر الأبحاث الحديثة أن أولئك الذين يحرزون درجات عالية في معايير الكمالية لديهم معايير أعلى، وفي ظل ظروف معينة يحققون نتائج أفضل. هذا بالتأكيد ما أسعى إليه، وكذلك المرضى الذين أعمل معهم. لذلك فأنا لا أتخلى عن مثاليتي. أنا فقط بحاجة لجعلها تعمل لما فيه الخير لي، وليس ضدي.

ويكمن السر هنا في التمييز بين الكمال الصحي والكمال غير الصحي. لنبدأ بمثال عن الكمال ذي النوايا الحسنة ونرى كيف يمكن أن ينحرف عن مساره (ليصبح كمالاً غير صحي):

بصفتها نائبة رئيس الشؤون القانونية، تتولى حنين مسؤولية كتابة التقرير السنوي لقسمها. يطلب منها رئيسها أن تعرض عليه المسودات التقريبية حتى يتمكن من مراجعة المحتوى أثناء إعدادها. لكن حنين لا ترغب في عرض مسوداتها على الآخرين؛ فهي تخشى أن يعتقد الناس أن هذا هو أفضل ما يمكنها فعله وأن يظن رئيسها أنها مهملة إذا وجد أخطاء. نتيجة لذلك، تقنع نفسها أن رئيسها لا يحتاج حقاً لأن يرى كل نسخة من التقرير فلا تطلعه سوى على النسخة الأخيرة مباشرة قبل أن يُفترض بها أن تسلم التقرير للطبع.

تشعر حنين بالصدمة عندما ينتقدها رئيسها، خصوصاً أنها حصلت على ملاحظات تقييمية ممتازة عن قسمها وتقاريرها السابقة. لقد أنجزت المهمة من وجهة نظرها على أحسن وجه، وليس لدى رئيسها مبرر للغضب لأنها وفرت عليه الكثير من الوقت والجهد من خلال إعفائه من مراجعة المسودات.

تبدأ حنين بنية تقديم منتج متميز. لكن المشكلة هي أنها تخلط بين منتج ممتاز ومنتج خال من الأخطاء. في حالة جنين، لم تكن على ثقة بأن رئيسها سوف يراجع مسوداتها غير المنجزة على ما هي عليه: مسودات تقريبية. وبدلاً من ذلك، حاولت منعه من رؤية "أخطائها"، متجاهلة حقيقة أنه كان مهتماً بالمحتوى أكثر من الأخطاء المطبعية. لو أنها تمسكت بنيتها تقديم تقرير سنوي رائع، وتعاونت مع رئيسها، لعمل كمالها لصالحها وليس ضدها.

فيما يلي بعض الطرق لفصل الكمال الصحي عن نسخته غير الصحية:

مواصفات الكمال الصحي:

  • السعي لتحقيق معايير عالية ولكن قابلة للتحقيق تعطي الشعور بالرضا وتعزز احترام الذات.
  • التوفيق بين وقتك وطاقتك مع المهام التي تتناسب مع نقاط قوتك واهتماماتك.
  • فهم ما تقدره وما هي أولوياتك وتخصيص حصة الأسد من وقتك واهتمامك لهذه المجالات.
  • جني ثمار من جهودك هي أكبر من التكاليف التي تحملتها.

مواصفات الكمال غير الصحية:

  • تحديد الأهداف مرارا وتكرارا ولكن دون تحقيقها.
  • التنافس باستمرار لتكون الأفضل في كل شيء من أجل تجنب الشعور بالفشل.
  • الاستسلام للشعور بأن جميع الأخطاء كارثية.
  • الوقوع في فخ الاعتقاد بأن استراتيجية واحدة معينة يجب أن تؤتي ثمارها، بدلاً من محاولة سبل أخرى.

يمكن أن يكون الكمال غير الصحي عقبة. أما الكمال الصحي، فيمكن في المقابل أن يعود عليك وعلى عملك بالخير. (سأكتب عن إدارة الكمال في مقال لاحق). جعل توقك للكمال يعمل لصالحك يعني معرفة كيف تبقي استراتيجياتك مطواعة وكيف يمكنك تغييرها وتكييفها، وكيف تبقى على الدوام متنبهاً لما يعطي نتيجة بالفعل بدلاً من مواصلة القيام بما تعتقد أنه يجب أن يعطي نتيجة.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

error: المحتوى محمي !!