منذ ولادة تقنية سلسلة الكتل (بلوك تشين)، كان الوعد الذي رافقها هو التخلي عن الحاجة إلى التعامل مع الأطراف الثالثة الموثوقة، إلا أنه من الناحية العملية، تستند لا مركزية هذه التقنية على ماهية المبادئ التي تحكمها وكيف تطبق. مع إقبال المزيد من الشركات على تطبيق تقنيات البلوك تشين، يصبح هذا الامتياز ذا أهمية متزايدة، فهناك العديد من المزايا المتوقعة من اللامركزية، التي قد تنزلق من بين أيدينا إذا فشلنا في تطبيق اللامركزية على أرض الواقع.

يمكن أن تختلف كثيراً كيفية تطبيق حوكمة البلوك تشين، أي ما يفعله الناس على أرض الواقع، عن المتوخى من تلك الحوكمة وما يطمح الناس إليه. لا يوجد اتفاق حول تعريف البلوك تشين بصورة عامة، ولكن وفقاً للتعريف السائد بين الناس، فإنّ تقنية البلوك تشين هي بمثابة ما يسمى بدفتر الأستاذ الموزع الذي تتقاسمه أطراف متعددة يمكنها إضافة المعاملات إليه، ما يعني أنّ التغييرات التي تطرأ عليه تظهر باستمرار لجميع الأطراف. إذا كانت مطابقة السجلات التقليدية ذات البيانات المتناقضة عملية مكلفة، فقد تكون هذه الميزة التي تتسم بها تقنية البلوك تشين مفيدة، ويتوقع مؤيدو بلوك تشين أن تكون الميزة غير قابلة للتغيير فعلياً وألا تكون مركزية، ما يعني أنّ بلوك تشين لن تتطلب جهة ثالثة موثوقة تبت فيما يحويه دفتر الأستاذ. وقد نجحت العملة الرقمية بيتكوين، وهي أول تطبيق لتقنية بلوك تشين، في السماح بتمرير المدفوعات الرقمية دون الحاجة إلى الاعتماد على أي طرف ثالث موثوق.

من المتوقع أن تحقق مثل هذه اللامركزية وفورات في التكاليف من خلال الاستغناء عن الجهات الوسيطة، بالإضافة إلى تمكين الجهات المشاركة لأنّ الأطراف التي تستخدم بلوك تشين ليست بحاجة إلى التعامل مع طرف ثالث موثوق وقوي يعمل لصالحها. لكن هذه المزايا لا تتحقق إلا من خلال اللامركزية، وفي حال لم تُستوفى الشروط، فإننا نعود إلى تلك المشكلات المتعلقة بالقوة والثقة. يمكننا فهم هذا التضارب من خلال تحديد الطرق المختلفة لحوكمة البيتكوين، كمثال نموذجي على بلوك تشين، سواء في الشكل أو في الممارسة العملية.

الأبعاد الأربعة لمبادئ حوكمة عملة البيتكوين
إدارة المعاملات الجديدة
يستخدم الملايين من الناس عملة البيتكوين ويمكن لأي شخص تأكيد المعاملة، ولكن عند التطبيق العملي تظهر بعض مقومات المركزية. إذ يدفع المستخدمون أحياناً رسوماً ضخمة مقابل المعاملات لتشجيع التحقق من صحتها بصورة أسرع، وبالتالي، قد يختار المستخدمون غير الراغبين في دفع رسوم عالية مقابل المعاملات إما عدم إجراء أي من تلك المعاملات على الإطلاق أو الانتظار لمدة أطول ليجري التحقق منها.

إدارة الإجماع
يجب التحقق من صحة المعاملات الجديدة لتصبح جزءاً من بلوك تشين، وتحدد آلية الإجماع كيفية الحصول على حلقات متعددة للاتفاق على ما إذا كانت المعاملة صالحة وينبغي إضافتها إلى سلسلة الكتل (بلوك تشين). يتصور البعض أنه عند التعامل مع عملة البيتكوين، يمكن لأي شخص التحقق من صحة المعاملات وإضافتها، لكن في الواقع يُسمح لمستخدم واحد فقط بإجراء ذلك في الوقت نفسه، ويتنافس المستخدمون بصورة متكررة على هذا الحق من خلال السماح لأجهزة الكمبيوتر الخاصة بهم بالبحث عن الأرقام غير المؤكدة. وتسمى هذه العملية بالتعدين، وهي عملية كثيفة الاستخدام للموارد ومكلفة، ويحصل الفائزون على عملة البيتكوين في مقابل عملهم ذاك.

تسمح آليات الإجماع بتحقيق اللامركزية في عملية التأكد من صحة المعاملات، التي تعدّ جوهرية في الحجج القائلة بأنّ نظام البيتكوين يمكن أن يحل محل البنوك ويعمل دون وجود جهات ثالثة موثوقة تحفظ سجلات المعاملات.

على الرغم من اللامركزية المتوخاة، إلا أنّ التكلفة العالية للتعدين أدت إلى مركزية ملحوظة في تحقيق الإجماع في الواقع العملي، ومن أجل تقاسم مخاطر إنفاق الموارد والفشل في الفوز في المنافسة، تشكل مجموعات من الأشخاص الذين يعملون في التعدين ما يسمى بشبكات التعدين الجماعي (mining pools). نتج عن هذا نشوء عدد قليل من شبكات التعدين الجماعي التي تتحقق من معظم المعاملات، في الوقت نفسه، يدفع الراغبون بالدخول في تلك الشبكات نسبة من المال، وترتفع تلك النسبة كلما توسعت الشبكة. لذلك، نجد أنّ شبكات التعدين تجذب القليل من الأشخاص وبالتالي تنمو ببطء أكبر. من المستبعد أن ينتهي الأمر بجعل وسط التعدين مركزياً تماماً ومقتصراً على شبكة تعدين واحدة فقط، لذلك في حين أنّ الإجماع أكثر مركزية في واقع الأمر مما كان متصوراً، إلا أنه لا يزال هنالك درجة معينة من اللامركزية.

إدارة التحديثات
بمجرد تطبيق تقنية بلوك تشين، قد تكون هناك ضرورة إلى إجراء تحديثات على بروتوكول بلوك تشين أو أنها قد تكون مستحسنة فقط، ويتصور الكثير منا أنه في حالة البيتكوين يمكن لأي شخص تطوير واقتراح تحديثات البروتوكول، إلا أنه في الواقع العملي يجري اقتراح هذه التغييرات عادة من قبل عدد قليل من المطورين أثناء مناقشات مركزية للغاية، حيث يقدم عدد صغير منهم تعليقات أكثر من البقية بصورة ملحوظة.

إدارة التصميم
قبل إطلاق بلوك تشين لدى أي شركة، ينبغي تصميم البروتوكول الخاص، ويختلف هذا البعد الإداري عن الأبعاد الأخرى سابقة الذكر بطريقتين، أحدهما هو أنّ التصميم يوضع قبل الأبعاد الثلاثة الأخرى، ثانياً، كان هنالك القليل من الجدل حول ما إذا كان ينبغي أن يكون التصميم الأولي لامركزياً أو مركزياً، وهو ما يُعتبر أمراً مثيراً للدهشة نظراً للحماس حول لامركزية بلوك تشين. في الواقع العملي، يعدّ تطوير البروتوكول عادة مركزياً ومنسقاً بدرجة عالية، وفي حالة عملة بيتكوين، جرى اقتراح التصميم الأولي من قبل ساتوشي ناكاموتو، وهي جهة غير معروفة يمكن أن تكون فرداً أو مجموعة صغيرة من الأشخاص. تشير هذه السرية في حد ذاتها إلى أنّ عملية وضع المستند التعريفي لعملة بيتكوين في عام 2008 لا يمكن إلا أن تعتبر مركزية إلى حد كبير.

التمييز بين الحوكمة المتوخاة لتقنية البلوك تشين وتلك المطبّقة

يوضح لنا مثال عملة البيتكوين كيف يمكن أن تختلف حوكمة بلوك تشين الواقعية عن الصورة المتوخاة لها بصورة كبيرة، وفيما يتعلق بتأكيد المعاملات والتحقق منها، بالإضافة إلى تحديثات البروتوكول، يتضح أنّ الحوكمة التي طُبقت أكثر مركزية بكثير من تلك المتوخاة. حتى وإن تطلع المعنيون نحو اللامركزية، فقد لا يتحقق ذلك، يمكننا رؤية أنّ الأبعاد ذات الصلة بالتصميم، مثل تطوير البروتوكول وإجراء التحديثات، تميل في الواقع العملي إلى الاتسام بالحوكمة المركزية بوجه خاص، في حين أنّ تلك المتعلقة بالاستخدام الفعلي لتقنية بلوك تشين، مثل التحقق من صحة المعاملات وتأكيدها، تميل إلى أن تكون أكثر لامركزية إلى حد ما.

نظراً لحداثة عهد تطبيقات تقنية بلوك تشين، فقد تعلمنا أنه على الرغم من الطريقة التي جرى تصورها من خلالها، إلا أنّ الحوكمة غالباً ما تكون أكثر مركزية في الممارسة العملية بسبب أنّ القدرة على صنع القرار غالباً ما تكون مكلفة من ناحية امتلاكها وممارستها، ما يعني أنّ الخبرة أو السمعة أو الوقت أو المال قد تكون جميعها عوامل مطلوبة لاكتساب قوة اتخاذ القرار، وكلما ارتفعت تكاليف هذه العوامل، انخفض عدد الأشخاص الذين يرغبون في المشاركة، ما يساهم في تكريس المركزية في الممارسة العملية.

تعتبر عملة بيتكوين إحدى تطبيقات البلوك تشين غير المرخص لها في كثير من الدول، أما بالنسبة إلى تطبيقات البلوك تشين المرخص لها، مثل هايبرليدجر فابريك (Hyperledger Fabric) من شركة آي بي إم، التي تقيد من يمكنه اقتراح تحديثات البروتوكول، والتحقق من صحة المعاملات وتأكيدها، فمن المتوقع أن تكون حوكمة بلوك تشين أكثر مركزية فيها مقارنة بتطبيق البلوك تشين على نظام البيتكوين غير المرخص له.

تقييم إمكانية تحقيق اللامركزية

تقدم تقنية بلوك تشين وعداً بتحقيق الحوكمة اللامركزية، إلا أنه على المدراء التفكير بتمعن في شيئين، أولاً، الحوكمة اللامركزية ليست سمة ضرورية من سمات بلوك تشين، إذ ينبغي أن يجري تطبيقها بصورة متعمدة، ثانياً، قد لا تكون مزايا الحوكمة اللامركزية دائماً مستحقة للتكاليف المرتبطة بها. وقد يكون مطورو برمجيات البروتوكول قادرين على العمل بفاعلية أكبر بمفردهم أو ضمن فرق صغيرة، حتى اللامركزية في التحقق من المعاملات قد لا تكون دائماً أفضل، كما توضّح لنا في آلية الإجماع البطيئة وكثيفة الاستخدام للطاقة أثناء تعدين البيتكوين.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!