كثيراً ما تُستهل المقالات التي تتناول الذكاء الاصطناعي بنيّة إصابة القارئ بصدمة، وذلك بالإشارة إلى أعمال الخيال العلمي الكلاسيكية أو إحصاءات مثيرة للقلق تتعلق بخسائر وشيكة للوظائف. لكنني أعتقد أننا نقترب أكثر من لب الذكاء الاصطناعي في العام 2018 عندما نفكر في الطرق البسيطة والاعتيادية التي يجعل من خلالها الذكاء الاصطناعي العمل أسهل نوعاً ما. ولا يجب بالضرورة أن يحدد خبراء الذكاء الاصطناعي في مؤسستك تلك المشكلات الاعتيادية التي بوسع الذكاء الاصطناعي المساعدة في حلها. وبدلاً من ذلك، سيكون الموظفون في شتى أرجاء المؤسسة قادرين على تحديد الأهداف التي يسهل تحقيقها والتي يستطيع الذكاء الاصطناعي من خلالها جعل مؤسستك أكثر كفاءة، ولكن شريطة أن يعرفوا فقط ما بوسع الذكاء الاصطناعي القيام به وما لا ينبغي أن يضطلع به مطلقاً.

على سبيل المثال، أُدير الشؤون المالية لفريق كثير الأسفار، وكنت ممتناً للتخمينات الذكية التي يستخلصها برنامج نفقاتي من الإيصالات النقدية باستخدام تعلم الآلة مثل: اسم التاجر والمبلغ المدفوع بالدولار والضرائب والتصنيف المحتمل للنفقات. والبحث عن فرص لهذا اللون من التحسين البارع، وتوفير وقت البشر ومجهودهم ليس واحداً من تحديات القيادة وحسب، بل هو بحث من الأفضل أن يقوم به أكبر عدد من العاملين داخل المؤسسة.

ثمة جانب سريع النمو من جوانب الذكاء الاصطناعي وهو تعلم الآلة، وفيه يعمل البرنامج الحاسوبي على تحسين إجاباته عن سؤال ما بواسطة إنشاء خوارزميات وتكرارها بناء على البيانات. وكثيراً ما ينظر إلى تعلم الآلة كتقنية تستطيع أن يفهمها ويعمل بها فقط الأشخاص أكثر براعة وأكثر ولعاً بالرياضيات. والواقع أنّ الذين يشتغلون يومياً ببناء برامج تعلم الآلة سيميلون إلى الحصول على درجات عليا في علوم الحاسوب. لكن تعلم الآلة أداة تقنية شأنها شأن غيرها من الأدوات من الممكن فهمها على عدة مستويات، ويمكن أن يستغلها على الرغم من ذلك أولئك الذين لم يكتمل فهمهم لها. لا يحتاج الناس  إلى معرفة كيفية قيادة الطائرة كي يكونوا قادرين على تحديد مسارات الخطوط الجوية الجديدة. بدلاً من ذلك، نراهم بحاجة على وجه التقريب إلى معرفة ما تستطيع الطائرة أن تنجزه وما تعجز عن إنجازه. على سبيل المثال، قد تكون لدى عامة الناس أيضاً فكرة حول الأغراض التي لا ينبغي تسخير الطائرات لتلبيتها، الأمر الذي يمكن أن يفضي إلى نتائج إيجابية كتقليص ضجيج الطائرات في قلب المدن أو حصر رحلات الطيران المكلفة في الرحلات القصيرة جداً.

عندما يستثمر القادة في الشركات أو المؤسسات غير الربحية أو عندما تستثمر الحكومات في الذكاء الاصطناعي، ينصرف جزء كبير من اهتمامهم إلى تعيين خبراء تعلم الآلة، أو دفع أموال لقاء شراء أدوات، لكن هذا التوجه يفوِّت عليهم فرصة عظيمة. فحتى تستغل المؤسسات الذكاء الاصطناعي الاستغلال الأمثل، ينبغي عليها أيضاً الاستثمار في مساعدة جميع أعضاء فريقها على فهم التكنولوجيا فهماً أفضل. إنّ فهم تعلم الآلة قد يجعل الموظف قادراً على الأرجح على تحديد التطبيقات المحتملة في عمله. سيكون الكثير من التطبيقات الواعدة لتعلم الآلة رتيبة أكثر من غيرها، وهنا يمكن أن تكون التكنولوجيا في أنفع حالاتها بأن توفر على الناس وقتهم، بحيث يستطيعون التركيز على المهام العديدة التي يتفوقون فيها على الآلات. والمساعد التنفيذي الذي يتحلى بفهم أفضل لتعلم الآلة قد يقترح أنّ برنامج الروزنامة يتعلم بوضوح أكثر من الأنماط التي تتطور بمرور الوقت لأنه يذكّره بالفترة التي لم يلتق فيها رئيسه في العمل بأحد أعضاء فريق العمل لفترة طويلة على غير المعتاد. إنّ الروزنامة التي تتعلم الأنماط بوسعها أن تتيح للمساعد التنفيذي وقتاً أطول للاضطلاع بالمهام البشرية في وظيفته مثل مساعدة رئيسه في العمل على إدارة الفريق.

بالتالي، ما الذي يتعين على موظفيك تعلمه بشأن الذكاء الاصطناعي؟ هناك ثلاثة أسئلة مهمة ينبغي أن يكون كل عضو من أعضاء الفريق قادراً على الإجابة عنها وهي: كيف يعمل الذكاء الاصطناعي؟ وما الذي يبرع فيه؟ وما الذي لا ينبغي أن يفعله أبداً؟ لننظر إلى كل سؤال بقدر أكبر من التفصيل:

كيف يعمل الذكاء الاصطناعي؟ ينبغي على أعضاء الفريق غير المسئولين عن بناء منظومة الذكاء الاصطناعي أن يعلموا على الرغم من ذلك كيفية معالجتها للمعلومات وإجابتها عن الأسئلة. ومن الأهمية بمكان تحديداً أن يفهموا الفرق بين الكيفية التي يتعلمون بها وكيفية "تعلم" الآلة. على سبيل المثال، يحتاج الإنسان الذي يعمد إلى تحليل مليون نقطة بيانات إلى تبسيط مهمته بطريقة ما بحيث يستوعبها ربما من خلال استخلاص المتوسط أو إنشاء رسم بياني. على الجانب الآخر، نجد أنّ خوارزمية تعلم الآلة بوسعها استخدام كل نقطة بيانات منفردة عندما تُجري حساباتها. هذه الخوارزميات "مدربة" على تحديد الأنماط بالاستعانة بمجموعة متاحة من مدخلات البيانات ومخرجاتها. ولأن البيانات أمر جوهري بالنسبة لقدرة الآلة على تقديم إجابات مفيدة، ينبغي أن يضمن المدير إلمام أعضاء فريقه بالمعلومات الأساسية عن البيانات. وهذا يعني مساعدة الموظفين على فهم دلالات الأرقام والتحيزات والأخطاء التي ربما توارت داخلها. إنّ فهم البيانات – التي تعتبر وقود الذكاء الاصطناعي – يساعد الناس على فهم ما يبرع فيه الذكاء الاصطناعي.

ما الذي يبرع فيه الذكاء الاصطناعي؟ تتفوق أدوات تعلم الآلة عندما يكون في الإمكان تدريبها على حل مشكلة ما باستخدام كميات هائلة من البيانات الموثوقة، وتقديم إجابات لها استناداً لمعايير واضحة حددها البشر. وبرنامج "نفقاتي" مثال ممتاز على ذلك، حيث يحصل البرنامج على إيصالات خاصة بملايين من مستخدميه ليتعلم منها، ويستغلها لمساعدته على التنبؤ بما إذا كان قدح القهوة في محل ستاربكس ينبغي تصنيفه ضمن فئة السفر أم الأدوات المكتبية أم الترفيه. كما أنّ التعرف على ما يبرع فيه تعلم الآلة يساعد المرء على إدراك الأشياء التي لا يبرع فيها بسرعة. فالمشاكل الجديدة أو التي تفتقر إلى بيانات ذات مغزى لتفسيرها تظل بحق محصورة في نطاق تخصصات البشر. ساعد موظفيك على فهم هذا الفارق باستعراض أدوات يستخدمونها بالفعل تعمل بالذكاء الاصطناعي، إما داخل المؤسسة أو خارجها (كالدعاية عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو توصيات خدمات البث المباشر للفيديو). ستساعد هذه الأمثلة أعضاء الفريق على فهم الإمكانات المهولة للذكاء الاصطناعي وأيضاً على استيعاب حدوده.

ما الذي لا ينبغي أن يفعله الذكاء الاصطناعي أبداً؟ إنّ قدرة الآلة على تعلم طريقة حل مشكلة ما وحسب لا يعني أنه ينبغي عليها أن تفعل ذلك. فالآلة يستحيل أن تفهم مثلاً التحيزات التي تكشف عنها البيانات ولا تبعات النصائح التي تسديها. وربما أنّ هناك بعض المشاكل التي لا ينبغي أن تطلب مؤسستك من تطبيق يعمل بالذكاء الاصطناعي حلها أبداً. على سبيل المثال، لا أود أن يكون القرار الأخير لخوارزمية ما في شركتي بخصوص الأشخاص المزمع تعيينهم أو الموضوعات المزمع مناقشتها في اجتماع مجلس الإدارة، أو كيفية إدارة موظف منخفض الأداء. إذا فكر الموظفون في القيود الأخلاقية للذكاء الاصطناعي، فمن الممكن أن يكونوا حراساً أمناء في مواجهة إساءة استخدامه.

إنّ المؤسسات التي ستبرع أكثر من غيرها في عصر الذكاء الاصطناعي، ستبرع في إيجاد فرص للذكاء الاصطناعي لمساعدة موظفيها على أداء مهام عملهم اليومية على نحو أفضل، وستكون قادرة على تنفيذ تلك الأفكار بسرعة. وستنجلي رؤيتها بخصوص أماكن تعميم تعلم الآلة والأماكن التي يتعين تفادي ذلك فيها. وإلى جانب استثماراتها في التكنولوجيا، ستُذكّر تلك المؤسسات فرق عملها بأهمية التخصصات البشرية مثل دعم الزملاء والتواصل بشكل جيد وتجربة الأفكار المبتكرة. ولكي تكون المؤسسة على أهبة الاستعداد للذكاء الاصطناعي المتفشي في أقسامها، يحتاج فريق المؤسسة برمته إلى أن يكون متأهباً أيضاً.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!