يبدو أن جزءاً كبيراً من المؤسسات والمدراء اليوم يشعرون بالذنب عند الاعتراف بأنهم يتخذون قرارات إدارية كبيرة بناء على الحدس لا الأدلة، وهذا لا شك دليل على وجود تقدم. وبالفعل، بدأ يصنف العمل بناء على البيانات على أنه "ابتكاري" و"متنوع" و"مسؤول اجتماعياً" على اعتباره ميزة حميدة للثقافة المؤسساتية، على الأقل إن نظرنا إلى المواقع الإلكترونية للشركات. 

على الرغم من أن الشعور بالضغط الدافع لإثبات أن خيارات المدير الأساسية قائمة على الحقائق الموضوعية بدلاً من التفضيلات الشخصية، هو خطوة كبيرة بلا شك نحو جعل المؤسسة قائمة على البيانات، إلا أنه هدف كبير لأي شركة ويتطلب تغيراً ثقافياً كبيراً سيضطر إلى تخطي رغبات كبار القادة لكي يحدث تغييراً حقيقياً في طريقة تفكير الموظفين وشعورهم وتصرفاتهم على جميع مستويات المؤسسة. وكما هي الحال في أي تغيير ثقافي، المدراء هم عناصر حاسمة في التغيير. فيما يلي ثلاث توصيات أساسية لإدارة المواهب ينبغي أن تساعد فريقك كي يصبح قائماً على البيانات أكثر: 

1- احتضن الفكر النقدي: في حين أن الكثير من القرارات الحالية حول البيانات تركز على دور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، إلا أن الجانب الإنساني من المعادلة سيبقى هو أكبر مميز للفرق والمؤسسات فعلياً. ومع قيام المؤسسات بشحذ إمكاناتها من أجل جمع المزيد من البيانات، والأمر ليس متعلقاً بالكم بقدر ما هو متعلق بالجودة، فإن ما يشكل الأهمية الأكبر هو وجود موظفين قادرين على طرح الأسئلة المناسبة على هذه البيانات. في الحقيقة، وكما طرح أجاي أغراوال وزملاؤه في كتابهم، سيسمح الذكاء الاصطناعي بتنبؤات أقل كلفة، ما يفسر الطلب الكبير عليه، ولكن فضول الإنسان وتفكيره النقدي ضروريان للتعرف على المشاكل الرئيسة التي يمكن للذكاء الاصطناعي والبيانات المساعدة في حلها، وهذه العملية تبدأ بك. 

يعني ذلك التحقق من تحيزاتك الشخصية، وعدم الثقة بحدسك وإظهار درجة مقبولة من التشكيك عندما يعرض الآخرون، وفريقك بالتحديد، أفكارهم واقتراحاتهم. كما أن هناك أمر على القدر ذاته من الأهمية، وهو ألا تكافئ الآخرين عندما يأتون بأفكار حدسية أو أفكار تبدو صحيحة بديهياً. عوضاً عن ذلك يجب أن تحتفي بالتفكير النقدي والفضول والرغبة العميقة للتحقق من الأمور. مثلاً، تشجع شركة أمازون الاختلاف في الرأي من أجل تفادي تفكير القطيع وللاستفادة من مكاسب التباين الإدراكي. 

وعلى الرغم من اختلاف قابلية الموظفين على تبني التفكير النقدي، يمكنك مساعدتهم على تطوير أي إمكانات يملكونها مهما كانت إن وظفت المحفزات المناسبة. قدم للموظفين التقييم الدقيق وأسس ثقافة تعليم قائمة على المعلومات لا التراتبية، حيث يستطيع الموظفون مشاركة رؤاهم وأفكارهم. خذ مثلاً موظفي شركة إير بي إن بي، الذين ينشرون مشاكلهم على موقع داخلي مشترك يتيح للآخرين تقديم إجابات أو حلول. هذه المحاولة البسيطة لحشد مصادر المعارف سيرفع إمكانات حل المشكلات لدى فريقك عن طريق الاستفادة من ذكائه الجماعي

2- استثمر في التدريب: في أغلب الأوقات لا تتطابق الأمور التي يقول المدراء والمؤسسات أنهم يولونها أهمية، كالابتكار والمهارات الشخصية والمواهب القيادية وصنع القرارات القائمة على البيانات، مع الموارد التي يخصصونها لتمكينها. وما يعنيه ذلك واضح: إذا أردت أن يتبع فريقك ثورة البيانات الحالية، أو على الأقل أن يواكبها، وأن يقوم بالعمل معتمداً على الدلائل أكثر، سيكون تدريبهم واجباً عليك. وهذا لا يعني تحويل جميع الموظفين إلى علماء بيانات وإنما الاستفادة من عالم الموارد الافتراضية الواسع الموجود ضمن المؤسسات وخارجها. على سبيل المثال، تقدم مجموعة من أكبر الجامعات، بما فيها جامعات رابطة اللبلاب (آيفي ليغ)، دروساً مجانية على الإنترنت عن الذكاء الاصطناعي والتجسيد المرئي للبيانات وعلوم البيانات. كما تقدم شركات رائدة في هذا المجال، من أمثال جوجل، مجموعة واسعة من الموارد المجانية والدروس على الإنترنت بشأن الذكاء الاصطناعي والتحليلات والبيانات الضخمة. لذلك، ليس الاستثمار الأهم هو المال، بل الوقت. وبالطبع يجب عليك تحفيز الموظفين للاستفادة من هذا الوقت.

تشير بحوث ميتا التحليلية إلى احتمال أن تتمكن إجراءات التدريب المصممة كما يجب من تعزيز نتائج التعليم الرسمية بنحو (60 درجة انحراف معياري)، ما يعني أن أداء الفرد الوسطي في المجموعة الخاضعة للتدريب سيرتفع بنسبة 73% عن أداء الفرد من المجموعة غير الخاضعة للتدريب. مع بذلك، تقيد إمكانات الفرد مدى استفادته من إجراءات التدريب. وبالفعل، يبين تحليل ميتا الشامل أن التدريب المدروس مسؤول عن 1% فقط من التباين في الأداء بالنسبة لمعظم الوظائف والمهمات المتعلقة بالعمل، ما يترك 99% معتمداً على المؤهلات الشخصية التي كانت موجودة وملحوظة قبل بدء التدريب. أي أنه يمكن التنبؤ بمعظم المكاسب المرتبطة بالتدريب فيما يتعلق بالخبرات أو المعارف عن طريق إمكانات الموظفين الأولية، ما يجعل الآثار المترتبة على نظام التوظيف الجيد أكبر من آثار التدريب الممتاز (انظر إلى النقطة التالية).

3- وظف الشخص المناسب: فيما يتعلق بالتدريب على المهارات الكمية أو المهارات القائمة على البيانات أو مهارات التفكير القائم على الحقائق، هناك دليل قوي على الكفاءات التي تتنبأ باحتمال تعلم الفرد لهذه المهارات واستخدامها. أولاً، يعتمد ذلك على مستوى الذكاء العام لدى الفرد أو قدراته الإدراكية، وهو المؤشر الوحيد والأمثل على قدرة الشخص على حل مشكلات منطقية واضحة واكتساب معارف رسمية في أي من مجالات الكفاءة. فكر بالأمر على أنه مقياس عام للقوة الذهنية أو سرعة المعالجة الإدراكية، تجد أنه سيكون القيام بأي تدريب متعلق بتحليل البيانات أسهل نسبة للأشخاص الذين يتمتعون بمستويات أعلى من القدرات الكمية أو العددية تحديداً. وبغض النظر عن الخبرات وقاعدة المعارف التي يملكونها مسبقاً، سيكون تعلمهم أسرع وأفضل. 

قد يبدو ذلك بديهياً، ولكنه يعني فعلياً أنّ أفضل طريقة لإنشاء فريق يتمتع بمهارات كمية هي تجنب تعيين موظفين ذوي مستويات أقل من إمكانات التفكير الرقمي. ولكن هناك مؤهلات نفسية أخرى يمكنها تحديد ما إن كان الفرد سيتعلم التفكير بصورة عملية وكمية أكثر. فامتلاك قدرة عالية على تقبل التجارب والفضول وقابلية التعلم سيعزز رغبة الموظف بالتعلم والتفكير بصورة منطقية أكثر، كما سيعزز مستوى التحفيز والوعي لديه أيضاً. لذلك، مهما كان مستوى ذكاء إجراءات التعليم، ومدى جودة تصميم برنامجك وتنفيذه، سيكون من الأفضل أن يكون المتلقي ذكياً عموماً وفضولياً ومجدّاً. وفي الحقيقة، ستكون مواصفات فريقك هي ما يحدد نجاح برنامجك.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!